بعد قرار مصطفى كامل.. صاصا وعمرو دياب: من يتفوق داخل مصر بالأرقام؟

عصام صاصا وعمرو دياب
عصام صاصا وعمرو دياب

بعد قرار الفنان مصطفى كامل نقيب المهن الموسيقية، إيقاف مغني المهرجانات عصام صاصا لمدة 6 أشهر.

دائمًا ما يتم تضليل الجمهور المصري، خصوصًا عندما نتحدث عن الفنانين الأكثر استماعًا ومشاهدة.

والتضليل هنا لا يعني بالضرورة أن الأرقام خاطئة، وإنما أن طريقة تقديم الأرقام قد تكون مضللة.

فإذا كنا نتحدث عن فنانين مصريين، فمن الطبيعي أن يكون اهتمامنا الأول هو السوق المصري: واقعه الجغرافي، وتركيبته السكانية، وما يستمع إليه المصريون بالفعل، بما يتناسب مع ثقافتهم وذائقتهم الموسيقية.

لكن ما يحدث غالبًا هو الاستناد إلى بيانات “عامة” صحيحة في أرقامها، لكنها لا تجيب بالضرورة عن السؤال الذي نطرحه، الا وهو “من الأعلى استماعًا داخل مصر”؟.

مثلًا، هناك إجماع على أن عمرو دياب هو الفنان المصري الأعلى مشاهدة على يوتيوب، وهذا صحيح تمامًا إذا كنا نتحدث عن الوطن العربي، حيث ينافسه على القمة أسماء مثل شيرين عبد الوهاب، وتامر حسني، وفضل شاكر، وإليسا وغيرهم.

“عمرو دياب هو النجم العربي الأكبر.. لكن هذا لا يعني أنه النجم الأكثر استماعًا داخل مصر.”

لكن ماذا يحدث إذا ضيّقنا الدائرة وتحدثنا عن مصر فقط؟

المفاجأة أن عمرو دياب لا يقف وحده على قمة المشهد الغنائي المصري، وإنما يجد نفسه في منافسة مباشرة مع عصام صاصا.

الأمر هنا يشبه إلى حد كبير كرة القدم المصرية: الأهلي غالبًا ما يكون في الصدارة، لكن الزمالك يظهر من وقت إلى آخر ليزاحمه وينتزع منه القمة.

“عصام صاصا هو أهلي الأغنية المصرية، بينما عمرو دياب هو الزمالك!”

وخلال آخر 12 شهرًا، وتحديدًا من 29 أغسطس 2025 إلى 29 أغسطس 2026، يمكن أن نقول إن عصام صاصا هو أهلي الأغنية المصرية، بينما عمرو دياب هو الزمالك!

بحسب بيانات المشاهدة داخل جمهورية مصر العربية، حقق عصام صاصا أكثر من 576 مليون مشاهدة خلال هذه الفترة، مقابل نحو 526 مليون مشاهدة لعمرو دياب.

أي أن الفارق ليس مجرد انطباع أو “ترند” عابر، وإنما نتيجة يمكن قياسها بالأرقام.

مفاجأة مش كده؟!

وإذا غصنا أكثر في التفاصيل، وضيّقنا النطاق الجغرافي أكثر، سنجد أرقامًا أكثر إثارة للدهشة.

في القاهرة وحدها، وصل عدد مشاهدات أغاني عصام صاصا إلى 122 مليون مشاهدة خلال آخر 12 شهرًا، مقابل 95 مليونًا لعمرو دياب.

وفي القاهرة الجديدة، التي تضم عددًا كبيرًا من المدن الحديثة والذكية، والتي تتميز بتركيبة سكانية ذات قوة شرائية أعلى، يتفوق صاصا أيضًا بـ82 مليون مشاهدة، مقابل 66 مليونًا لعمرو دياب.

أما في محافظة الجيزة، فيتكرر المشهد مرة أخرى: 74 مليون مشاهدة لصاصا مقابل 55 مليونًا لعمرو دياب.

لكن الصورة تتغير تمامًا في الإسكندرية، المدينة التي كانت توصف تاريخيًا بأنها الأكثر كوزموبوليتانية في مصر.

هنا يتفوق عمرو دياب بفارق واضح؛ إذ تجاوزت مشاهداته خلال العام 50 مليون مشاهدة، مقابل 25 مليونًا فقط لصاصا.

والمفارقة هنا أن التفوق لا يبدو غريبًا تمامًا إذا وضعنا الجغرافيا في مواجهة الموسيقى؛ فعمرو دياب لطالما ارتبط بما يمكن تسميته “الأب الروحي لموسيقى البحر المتوسط”، وهو الوصف الذي استخدمه الملحن البرازيلي جواو مارسيللو بوسكولي عند تحليله لأغاني الهضبة، معتبرًا أنها تمزج بين الموسيقى المصرية وملامح من موسيقى البوب العالمية.

وهنا تحديدًا تصبح الجغرافيا أكثر من مجرد أرقام؛ لأن التحليل الفني نفسه يتقاطع، بشكل لافت، مع النطاق الجغرافي الذي تظهر فيه النتائج.

وفي مدينة السادس من أكتوبر، يعود صاصا للتفوق من جديد بـ17 مليون مشاهدة، مقابل 15 مليونًا لعمرو دياب.

وفي طنطا، بلد السيد البدوي، ينقلب المشهد بفارق محدود للغاية؛ إذ حقق عمرو دياب 13.8 مليون مشاهدة، مقابل 13.3 مليونًا لصاصا، أي بفارق نصف مليون مشاهدة فقط.

وفي العاشر من رمضان، يتفوق صاصا بـ13 مليون مشاهدة، مقابل 11 مليونًا لعمرو دياب.

أما في النزهة الثانية، فالمنافسة تصل إلى نقطة التعادل؛ 12 مليون مشاهدة لكل منهما خلال آخر 12 شهرًا.

وفي المنيا، يتسع الفارق مرة أخرى لصالح صاصا؛ 11 مليون مشاهدة مقابل 6.5 مليون فقط لعمرو دياب.

وفي الغردقة، يواصل صاصا تفوقه بـنحو 9.5 مليون مشاهدة، مقابل 7 ملايين للهضبة.

إذن، عندما ننظر إلى أعلى عشر مناطق من حيث الاستماع، سنجد أن الكفة تميل في معظمها إلى عصام صاصا.

صحيح أن الفوارق في عدد من هذه المناطق ليست ضخمة، وصحيح أن عمرو دياب يظل حاضرًا بقوة وينتزع الصدارة في بعض المدن، لكن الصورة الإجمالية تصبح أكثر وضوحًا كلما ابتعدنا عن الأرقام العربية العامة واقتربنا من المستمع المصري نفسه.

وهنا نصل إلى النتيجة التي قد تبدو صادمة للبعض:

عصام صاصا هو الفنان الأكثر استماعًا داخل مصر خلال آخر 12 شهرًا، وليس عمرو دياب.

وهذه ليست محاولة لإسقاط قيمة عمرو دياب، ولا لتتويج صاصا بلقب “نجم مصر الأول” بالمعنى الفني؛ فـالأرقام لا تمنح جوائز الجودة، وإنما تقيس سلوك الجمهور.

لكنها ببساطة تقول لنا شيئًا مهمًا:

النجم الأكثر شهرة عربيًا ليس بالضرورة هو النجم الأكثر استماعًا داخل مصر.

لكن المفاجأة لا تتوقف عند إجمالي المشاهدات فقط، فحتى شكل الاستماع نفسه يكشف اختلافًا مهمًا بين عمرو دياب وعصام صاصا.

فعند النظر إلى الرسم البياني لمشاهدات عمرو دياب خلال آخر 12 شهرًا، سنجد منحنى شديد الارتباط بلحظات الإصدار، وليس تدفقًا ثابتًا للمشاهدة على مدار العام.

أوضح مثال على ذلك يظهر في 22 يوليو 2026، وهو اليوم الذي صدر فيه ألبوم “حبيتك”.

في هذا اليوم تحدث قفزة كبيرة ومفاجئة في معدلات المشاهدة، ثم يبدأ المنحنى في الهبوط الحاد خلال أقل من ثلاثة أيام.

بمعنى آخر، هناك دفعة استماع ضخمة مرتبطة بحدث موسيقي محدد، ثم يعود المنحنى سريعًا إلى مستوياته الطبيعية.

أما عند النظر إلى منحنى عصام صاصا خلال الفترة نفسها، فالصورة مختلفة تمامًا.

الرسم البياني يبدو أكثر استقرارًا، من دون القفزات الحادة نفسها، أو الانخفاضات المفاجئة التي تظهر في منحنى عمرو دياب.

والمفاجأة الكبرى أن خلال هذه الفترة الزمنية أصدر عصام صاصا 23 أغنية في خلال اخر 12 شهر، بالاضافة الى اعلان واغنيتين كدعاية لفيلمين.

بينما أصدر عمرو دياب ألبومين “ابتدينا 15 أغنية” + “حبيتك 12 أغنية” + “2 اعلان في شهر رمضان” بواقع 29 أغنية.. أي ان اصدارات عمرو دياب أكثر من صاصا، وليس كما يروج البعض بأن صاصا يصدر أغنيات أكثر لذلك يحقق نسب مشاهدات أكثر!

ولكن هذه أرقام عصام صاصا نجم المهرجانات الأول في مصر أمام أهم نجم بوب عربي في التاريخ الا وهو عمرو دياب في اخر 12 شهر فقط، فماذا عن أرقام صاصا مع باقي المغنيين؟

“شيرين قد تكون صوت مصر في الخطاب الإعلامي.. لكن الأرقام تقول إن صاصا هو صوت مصر في يوتيوب.”

أذكّركم بأن عصام صاصا، خلال آخر 12 شهرًا داخل مصر، حقق 576 مليون مشاهدة، متفوقًا على عمرو دياب الذي حقق 526 مليونًا.

ويأتي بعدهما أحمد سعد، الذي يعد ثالث أكثر مغنٍ مصري استماعًا داخل مصر في نفس الفترة الزمنية، بواقع 311 مليون مشاهدة.

ثم يأتي تامر عاشور بواقع 279 مليون مشاهدة، وخلفه مباشرة نجم المهرجانات الآخر إسلام كابونجا بواقع 272 مليونًا في نفس الفترة الزمنية.

أما شيرين عبد الوهاب، التي يطلق عليها “صوت مصر”، فحققت في نفس الفترة الزمنية، داخل مصر التي يريدون أن يجعلوا منها صوتًا لها، 229 مليون مشاهدة، أي أن صاصا تفوق عليها بواقع 347 مليون مشاهدة، أي أنه رقميًا هو الممثل الشرعي والحقيقي لذائقة غالبية المصريين، طبقًا للإحصاء الرقمي، وليس شيرين عبد الوهاب كما يحاول الكثيرين فرض الأمر علينا بالعافية! بل أن رامي صبري، وللمفاجأة، هو أكثر مشاهدة من شيرين عبد الوهاب داخل مصر في آخر 12 شهرًا، بواقع 269 مليون مشاهدة.

أما الثنائي تامر حسني فحقق 217 مليون مشاهدة، ومحمد حماقي 150 مليون مشاهدة.

“من يعيشون على الحافة، يبحثون غالبًا عمن يشبههم”

وبعيدًا عن الأرقام، يمكنني القول إن صاصا ظهر وكأنه يُعيد كتابة معادلة “الصعاليك يحكمون المدينة” التي كتب عنها الراحل عبد الله كمال، ورفيقه أستاذي إبراهيم عيسى، في كتاب “الأغنية البديلة” سنة 1988.

كان الحديث وقتها عن جيل من الفنانين المتمردين، مثل محمد منير وعلي الحجار، واليوم يأتي صاصا كامتداد طبيعي لذلك التمرد، ولكن من منطقة أشد قسوة، ومن واقع أكثر خشونة.

وُلد صاصا يتيمًا، ربّته أم مكافحة، وبدأ حياته سائق توك توك. مشهد يعرفه جيدًا من عاش في العشوائيات، كما أعرفه أنا شخصيًا من نشأتي في المنيرة العشوائية بإمبابة.

وحين دخل عالم الغناء، لم يطرق أبواب القنوات أو شركات الإنتاج، بل صنع قناته على يوتيوب في 2019، ووصلت مشاهداتها حاليًا إلى 2 مليار و658 مليون مشاهدة، بواقع 272 أغنية.

وكونه الأكثر استماعًا داخل مصر، كما توضح أرقام يوتيوب في آخر سنة، ربما لأن صاصا يُغني لمن يعيشون على الحافة، لمن لا يملكون رفاهية أن “يسهروا تحت القمر” كما يغني نجوم الـ”بوب”، بل يناضلون من أجل وجبة عشاء.

فهو لا يشبه نجوم “البوب”، لا في الشكل ولا في الأداء، لا يملك جسدًا منحوتًا كمحمد حماقي، ولا لحية مرسومة بالليزر مثل تامر حسني. لم يتربَّ في استوديوهات فخمة كالتي يستخدمها عمرو دياب، ولم يدرس الموسيقى مثل رامي صبري.

وكوّن ثقافته من خلال اختلاطه بالشوارع المزدحمة بالحياة والضغوط القاسية، وكأنه يسير بتوك توك واستطاع أن يسابق أصحاب السيارات الفارهة.

أما على المستوى الفني، فالرجل يملك هوية واضحة.

عندما درست ثلاثة من أغانيه الناجحة: “في زنزانتي”، “الضرب على العيون”، “غيبنا”، وجدت أنها من صناعة موزع واحد، بإيقاعات ثابتة.

البعض يراها تكرارًا، لكنها في رأيي دليل على فهم واعٍ لقدراته الفنية ولذوق جمهوره.

من يفتح أغانيه بـ”الميترونوم” سيكتشف أن ما يفعله ليس عبثًا، بل بناء موسيقي متماسك، فالسرعات متطابقة 110 في الأغاني الثلاث.

كما أن لديه القدرة على تحويل أزماته الشخصية إلى أغانٍ حقيقية، يتعرى فيها أمام جمهوره بلا أي تجميل، مثلما حدث في أغنية “في زنزانتي” التي تحدث فيها عن معاناة دخوله السجن، فحوّل معاناته إلى منتج فني، حتى يكون معبرًا عن كثيرين من الشباب الذين يدخلون السجن نتيجة أفعالهم.

وفي هذا صدق فني شديد، عكس ما فعله تامر حسني عندما حاول دفن قضية سجنه بعد هروبه من الخدمة العسكرية رفقة زميله هيثم شاكر، وكأنه يريد أن يحذف هذه الواقعة من أرشيف حياته، كي تكتمل صورته الجمالية لدى الجمهور، الذي أحب صاصا أكثر منه داخل جمهورية مصر العربية، كما تقول الأرقام.

ربما لأنه لم يتجمّل بما ليس فيه، بل عرض حياته على الملأ كما هي، حتى لو كان بها العديد من النواقص الفنية والأخطاء الشخصية.

“المشكلة ليست أن صاصا تفوق.. المشكلة أننا لا نريد تصديق من يستمع إليه المصريون”

ولذلك ربما يجوز أن نعتبر “صاصا” ظاهرة اجتماعية، وتعبيرًا حيًا عن شريحة واسعة، ربما لا تجد من يمثلها في الإعلام الرسمي، فتلجأ إلى من يشبهها حتى لو كان غير مرضي عنه إعلاميا.

فهو ليس مجرد صوت غنائي..

بل صرخة.

صرخة من الهامش تقول: “نحن هنا”.

تم نسخ الرابط