سباعية عيد ميلاد محمد منير وعمرو دياب.. الملك والهضبة.. من غيّر قواعد اللعبة؟
لعل أهم ما يميز الفنان محمد منير هو استقلالية مشروعه الفني عن باقي المتواجدين على الساحة الغنائية. وبالنظر إلى تاريخ وفاة العندليب عبد الحليم حافظ عام 1977، سنجد، للمفارقة، أنه العام نفسه الذي بدأ فيه منير مشواره الغنائي.
كان من السهل أن ينتهج منير النهج العاطفي نفسه، وأن يستكمل مسيرة العندليب، مع بعض الاختلافات الموسيقية البسيطة، مثلما فعل هاني شاكر على سبيل المثال لكنه أراد أن يكون مختلفًا، وأن يؤسس مدرسته الموسيقية الخاصة، فصاغ مشروعًا غنائيًا مستقلًا عن بقية المشروعات الموجودة على الساحة، حتى عندما تعامل مع الشعراء والملحنين والموزعين أنفسهم الذين صنعوا أغنيات لفنانين آخرين، ظل تعاونهم مع منير مختلفًا، وكأنهم يقدمون معه صياغة مغايرة لأفكارهم الموسيقية.
مدرسة منير الموسيقية، كما قلنا سابقًا، تميل إلى البناء الرأسي، الذي تتكامل فيه العناصر الموسيقية ويحتل الهارموني والتوزيع مكانة أساسية، وليس البناء الأفقي الذي يكون فيه المغني هو البطل الأوحد للعمل لكن استقلالية منير لم تتوقف عند الموسيقى، بل امتدت إلى الصورة التي قدم بها نفسه للجمهور.
حتى في مظهره، كان منير ثوريًا في طريقة تقديم صورة المغني بشعره الـ”كيرلي” ولون بشرته الأسمر، فرض حضوره في مشهد الغناء المصري، وقدم صورة مختلفة عن الصورة التقليدية للنجم الغنائي. صديقي القارئ، نحن نتحدث عن فنان أسمر البشرة استطاع أن يتصدر مشهد الموسيقى المصرية، في وقت لم تكن فيه هذه الصورة هي النموذج السائد للنجومية الغنائية وحتى إذا كان العندليب نفسه أسمر البشرة، فإن منير قدم صورة أكثر تحررًا من القوالب البصرية المعتادة.
لم يرتدِ البدل الأنيقة التي ارتبطت بصورة أبناء القصور والنجوم التقليديين، بل ظهر بملابس تعكس روح الشاب المصري في أواخر السبعينيات. وفي كليباته، ظهر إلى جوار زملائه وشركاء نجاحه في الفرقة الموسيقية، باعتباره واحدًا منهم، لا قائدًا يقف في مقدمة المشهد بينما يتوارى الآخرون خلفه. وهكذا، لم يقدم منير صوتًا مختلفًا فحسب، بل قدم أيضًا تصورًا مختلفًا لشكل المغني وعلاقته بالموسيقى وبالذين يشاركونه صناعتها.
غنى منير باللهجة النوبية، واستحضر في أغنياته مضامين اجتماعية، وأحيانًا سياسية، وطرح موضوعات تحرض على التفكير والتأمل، مبتعدًا في كثير من الأحيان عن المعاني المباشرة والصريحة. أما توزيعاته الموسيقية، فاستوعبت أشكالًا متعددة، من الريجي والجاز إلى الروك، لتتشكل لديه هوية غنائية يصعب اختزالها في قالب واحد أو مقارنتها بتجارب أخرى على الساحة. ولذلك، يمتلك منير استقلالية فنية لا ينازعه فيها أحد، لأنه لم يكتفِ بتقديم أغنيات ناجحة، بل أسس عالمًا موسيقيًا متكاملًا يحمل بصمته الخاصة.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن عمرو دياب يمتلك هو الآخر مشروعًا فنيًا مستقلًا، حتى لو قامت أسطورته الغنائية، من حيث مضمون الكلمات والموضوعات العاطفية، على استكمال جانب من المسار الذي رسخه عبد الحليم حافظ. فعلى المستوى الموسيقي، كان عمرو من أبرز الفنانين الذين طوروا شكل الأغنية العربية، بل يمكن القول إن جانبًا كبيرًا مما جاء بعده تأثر، بصورة أو بأخرى، بما قدمه الهضبة.
والدليل على ذلك أن عمرو دياب، بالتعاون مع الموزع طارق مدكور، سعى في نهاية التسعينيات إلى تغيير طريقة بناء الألبوم الغنائي وتقديمه للجمهور قبل هذه المرحلة، كان المقسوم المصري حاضرًا بقوة في سوق الألبومات، حتى إننا كنا نستمع أحيانًا إلى ألبوم كامل يرتكز على هذا القالب في معظم أغنياته، مع اختلافات محدودة بين عمل وآخر.
لكن تجربة “قمرين” قدمت ملامح واضحة لمنهج مختلف، تعزز لاحقًا في ألبومات مثل “تملي معاك” و”أكتر واحد”، أصبحنا أمام الألبوم الواحد الذي يضم أشكالًا موسيقية متعددة؛ من البوب الغربي إلى الموسيقى اللاتينية والإسبانية، ومن مزج المقسوم المصري بالإيقاعات اليونانية والتركية، إلى تجارب تستلهم موسيقى الـEDM، وأحيانًا الروك، وغيرها من القوالب التي كانت تجد طريقها إلى الأغنية العربية بصيغ مختلفة.
لم يعد الألبوم مجرد مجموعة من الأغنيات التي تدور في الفلك الموسيقي نفسه، بل أصبح مساحة لتقديم تنوع موسيقي مقصود، يجمع بين أنماط مختلفة تحت مظلة مشروع فني واحد وقد ظهرت بذور هذا المنهج بوضوح في “قمرين”، ثم تبلورت في التجارب التالية، لتصبح فكرة التنوع داخل الألبوم الواحد من الملامح التي استلهم منها فنانون آخرون في تشكيل ألبوماتهم، وهو اتجاه لا يزال حاضرًا في المشهد الموسيقي حتى عام 2026.
وهنا تبرز نقطة الالتقاء بين الملك والهضبة: محمد منير صنع هويته الخاصة من خلال عالم موسيقي واجتماعي وبصري متكامل، بينما بنى عمرو دياب مشروعه على تطوير شكل الأغنية العربية وتوسيع خياراتها الموسيقية، مع الحفاظ على مركزية الأغنية العاطفية في تجربته، اختلف الطريقان، لكن النتيجة واحدة: لم يكن أي منهما مجرد مغني ينجح داخل القواعد الموجودة، بل فنانًا ساهم في تغيير هذه القواعد وترك أثرًا واضحًا في الأجيال التي جاءت بعده.