سباعية ويجز ومروان بابلو.. من يتقن لعبة الـ«ديو»؟
الأغاني المشتركة اختبار حقيقي لقدرات الفنانين، خاصة في المجتمعات العربية، التي تكاد تغيب عنها ثقافة الأغنية المشتركة بصورتها الفنية الحقيقية. نحن نصنع الأغاني أحيانا بطريقة تشبه البيتزا: نجهز الأغنية باعتبارها عملا فرديا، ثم نقطعها إلى أجزاء يتساوى فيها نصيب كل مغني، لكن من دون اختلاف حقيقي في الطعم أو المكونات.
نجد مغنيان يغنيان عن الحب نفسه، ويتنافسان على الفتاة ذاتها، بالجمل اللحنية نفسها والأداء الصوتي والمقامات نفسها.
وأحيانا يصل الأمر إلى أن يتغزل مطربان في الفتاة نفسها، لكنهما يبدوان كأنهما يؤديان الأغنية ذاتها بصورة مكررة، لأن العمل صُنع في الأساس بعقلية الأغنية الفردية، ثم أُضيف إليه صوت آخر.
لحسن الحظ، لا تنطبق هذه الثقافة الموسيقية على الراب بالدرجة نفسها، وهو ما تكشفه تجارب التعاون بين ويجز ومروان بابلو. فعندما نسترجع مشروعاتهما المشتركة، سنكتشف اختلافات جوهرية في طريقة تفكير كل منهما، وفي فهمه لوظيفة الأغنية المشتركة وحدودها.
· ويجز.. عقلية البوب
عندما نتأمل أبرز تجارب ويجز المشتركة، سنجد أن عددا كبيرا منها جاء مع نجوم من خارج سوق الراب، وفي سياقات إعلانية تحديدا. تعاون مع أنغام في إعلان مؤسسة مجدي يعقوب «قلب أمه»، ومحمد حماقي في إعلان البنك الأهلي، وأحمد مكي في إعلان «وي»، وليجي سي في إعلان «سامسونج»، وحسن شاكوش في «سالكة». وقد حققت هذه الأعمال نجاحا جماهيريا كبيرا، مستفيدة من اجتماع أسماء لها جماهيرها المختلفة، باستثناء أن التعاون مع ليجي سي يظل أقرب إلى نطاق الراب نفسه.
وبعيدا عن الإعلانات، وسّع ويجز دائرة تعاوناته لتشمل أسماء من ثقافات وجنسيات مختلفة؛ فتعاون مع الفنان المغربي الجراند طوطو، واليمني حمود السمة، والفلسطيني سامي شبلاق، والسعودي دحوم الطلاسي، إلى جانب زياد ظاظا وديسكو مصر. وتظل تجربته مع محمد منير في أغنية «كلام فرسان» واحدة من أبرز محطاته في هذا السياق.
هذه التجارب تكشف ثلاث دلالات أساسية.
أولا، يمتلك ويجز قدرة استثنائية على تقديم أغان مشتركة لأغراض إعلانية وتجارية، مستفيدا من قدرته على التواصل مع جماهير لا تنتمي بالضرورة إلى جمهور الراب التقليدي، وهي مساحة يصعب منافسته فيها بين أبناء جيله.
ثانيا، يعتمد في هذه الأعمال على الجمع بين اسمه وأسماء تنتمي إلى دوائر جماهيرية مختلفة. حتى أحمد مكي، الذي يقدم الراب أيضا، اكتسب شهرته الأساسية من التمثيل، وجمهوره الأوسع يتجاوز جمهور الراب المتخصص.
ثالثا، لا تقتصر تعاوناته غير الإعلانية على تحقيق مكاسب فنية داخل النوع الموسيقي نفسه، بل تمتد إلى الانفتاح على هويات وثقافات وجنسيات مختلفة. وهذا أحد أهم أدوار الأغنية المشتركة: أن يلتقي فنانان من عالمين مختلفين، فينتج عن التقائهما شيء لا يستطيع أي منهما تقديمه بالضرورة بمفرده. كما أن هذا التوجه يمنح ويجز فرصة لتوسيع قاعدته الجماهيرية خارج حدود مصر.
تتسق هذه الدلالات مع تصوري لمشروع ويجز الغنائي؛ فهو مشروع يسعى باستمرار إلى الانتشار والتوسع وتحقيق الشهرة، وكأنه يقدم الراب بعقلية مغني البوب. وأقصد هنا ويجز في تجاربه الأولى تحديدا، لأن ما يقدمه مؤخرا ابتعد، في تقديري، عن الراب إلى درجة تجعل تصنيفه الحالي باعتباره رابر أمرا يحتاج إلى مراجعة.
· بابلو.. هوية الراب
أما مروان بابلو، فعندما خرج بتعاوناته إلى خارج دائرة الراب، قدم «تارانتينو» مع كايروكي، و«عافية» مع نانسي عجرم. وفي التجربتين، كان موفقا في تقديم نفسه داخل مشروع موسيقي مختلف، من دون التخلي عن هويته كرابر أو الذوبان في هوية الفنان الآخر. وهذه نقطة جوهرية في نجاح الأغنية المشتركة: أن ينفتح الفنان على تجربة جديدة، من دون أن يفقد ملامحه الخاصة.
لكن الاختلاف الأهم بين بابلو وويجز يظهر في تعاونه مع زملائه من الرابرز؛ إذ تبدو هذه المنطقة أكثر أهمية في مشروعه الفني، وربما أكثر ثراء على مستوى التجربة الموسيقية، مقارنة ببعض تعاوناته خارج الراب.
قدم بابلو ألبوما مشتركا كاملا مع أبيوسف، في صورة «Concept Album» مترابط موسيقيا وموضوعيا، وحقق نجاحا كبيرا داخل أوساط الراب. كما قدم «شفت كلام» مع ليجي سي، التي نافست على المراكز الأولى في قوائم الاستماع والمشاهدة، وأصبحت واحدة من أبرز أغاني موسم الصيف، محققة نجاحا لافتا مقارنة بأعمال عديدة لفنانين من نجوم البوب في ألبوماتهم الأخيرة.
وقدم أيضا «برر برر»، إلى جانب تعاونه مع زاندر جوست في مجموعة من الأغاني، من أشهرها «أجرة».
هذه التجارب تكشف اختلافا جوهريا بين عقلية بابلو وعقلية ويجز. فبابلو، في تقديري، أكثر إخلاصا للراب، ولا يبدو مستعدا للتخلي عن هويته الموسيقية من أجل تحقيق انتشار جماهيري أوسع. قد يكون الطريق أصعب حين تراهن على جمهور النوع الموسيقي الذي تنتمي إليه، بدلا من توسيع دوائرك عبر الانتقال إلى البوب، لكنه رهان يمنح مشروعك تماسكه وخصوصيته.
ويجز ينظر إلى التعاون باعتباره فرصة للانتشار والوصول إلى جماهير جديدة، بينما يبدو بابلو أكثر اهتماما بتطوير تجربته داخل الراب نفسه، وبناء علاقات فنية مع فنانين يشاركونه اللغة الموسيقية ذاتها، حتى عندما ينتج عن ذلك عمل أكثر تعقيدا أو أقل سهولة في الوصول إلى الجمهور العام.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمجرد حصر عدد الأغاني المشتركة أو مقارنة نجاحاتها الجماهيرية، بل بفهم الهدف الذي يسعى إليه كل فنان من وراء التعاون. ويجز يراهن على توسيع دائرة انتشاره، بينما يراهن بابلو على ترسيخ هويته وتطوير مشروعه داخل الراب.
وربما يكون طريق بابلو أصعب، لكنه يجني ثمار هذا الرهان، بعدما أصبح، في تقديري، متربعا على عرش الراب المصري، بلا منافسة حقيقية في الوقت الحالي.