من أجر 40 قرشًا إلى لقب ملك العود.. الحكاية الكاملة لفريد الأطرش

فريد الأطرش
فريد الأطرش

تحل اليوم الاثنين 19 أكتوبر ذكرى ميلاد الموسيقار فريد الأطرش، الذي وُلد في 19 أكتوبر عام 1917، ليصبح واحدًا من أبرز رموز الموسيقى والغناء في العالم العربي، بفضل موهبته التي جمع من خلالها بين التلحين والغناء والتمثيل والإنتاج السينمائي وترك الأطرش بصمة فنية امتدت لعقود، من خلال ألحانه المميزة وأغانيه التي حملت طابعًا رومانسيًا خاصًا، حتى ارتبط اسمه بألقاب عدة، من بينها "الموسيقار الحزين" و"ملك العود".

وفي هذا السياق، يرصد لكم "وشوشة" أبرز محطات حياة فريد الأطرش، بداية من طفولته وانتقاله إلى مصر، مرورًا برحلته من العمل في الصالات إلى الإذاعة والسينما، وصولًا إلى أبرز أعماله الموسيقية والجوائز التي حصل عليها، قبل رحيله عام 1974.

طفولة فريد الأطرش وبداياته بعد الانتقال إلى مصر

ولد فريد الأطرش في بلدة السويداء بسوريا، وينتمي إلى عائلة الأطرش المعروفة في جبل الدروز، وكان والده الأمير فهد الأطرش. 

وشهدت طفولته تحولات صعبة بعدما اضطرت أسرته إلى مغادرة سوريا هربًا من ملاحقة الفرنسيين، لتنتقل إلى مصر عام 1924، برفقة والدته علياء المنذر وشقيقه فؤاد وشقيقته أسمهان، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز نجمات الغناء العربي.

وبعد استقرار الأسرة في مصر، بدأ فريد الأطرش طريقه في تعلم الموسيقى، فالتحق بمعهد الموسيقى، ودرس العزف على العود على يد الموسيقار رياض السنباطي، لتبدأ ملامح موهبته الفنية في الظهور تدريجيًا، رغم الظروف المادية الصعبة التي عاشتها الأسرة.

من مندوب إعلانات إلى مطرب في الصالات

لم تكن بداية فريد الأطرش الفنية سهلة، إذ اضطر إلى العمل في أكثر من مجال من أجل توفير احتياجاته، فعمل مندوبًا للإعلانات لدى أحد محال الأقمشة، قبل أن تتاح له الفرصة لاستثمار موهبته في الغناء والعزف.

وتحدث الأطرش عن تلك المرحلة في مذكراته المنشورة بمجلة "الكواكب" عام 1942، موضحًا أنه عاش ظروفًا مادية صعبة خلال طفولته، والتحق بمدرسة الفرير المجانية في منطقة الخرنفش، كما اكتشف موهبته الغنائية مبكرًا من خلال مشاركته في فرقة الأناشيد المدرسية، حيث كان يؤدي التراتيل، ثم اتجه إلى حفظ أغاني محمد عبد الوهاب.

ومع تطور اهتمامه بالموسيقى، قرر احتراف الغناء والتلحين، فعمل في صالة ماري منصور مقابل ثمانية جنيهات شهريًا، ثم عمل عازفًا على العود ضمن تخت إبراهيم حمودة، مقابل أربعين قرشًا في الليلة.

وشكلت هذه المرحلة نقطة انطلاق مهمة في مشواره، إذ أتاحت له الاحتكاك بالجمهور والتعرف على طبيعة العمل الفني، قبل أن ينتقل إلى خطوات أكثر أهمية في مسيرته الموسيقية.

"يا ريتني طير لأطير حواليك".. بداية الطريق إلى الإذاعة

بدأت ملامح الشهرة تظهر في حياة فريد الأطرش عندما عمل في فرقة بديعة مصابني، حيث شارك في العروض الفنية بأجر محدود، إلى أن لفت صوته وعزفه انتباه الموسيقار مدحت عاصم، الذي كان يبحث عن مواهب جديدة في بدايات الإذاعة المصرية.

واستمع مدحت عاصم إلى فريد الأطرش خلال عمله في صالة بديعة مصابني، ثم استدعاه للعزف على العود منفردًا في الإذاعة، مقابل مائة وخمسين قرشًا عن نصف ساعة.

 وبعد محاولات متكررة، حصل الأطرش على فرصة الغناء الإذاعي مقابل أربعة جنيهات عن كل وصلة، وكان يتحمل من هذا المبلغ أجور الفرقة الموسيقية.

ومن بين الأغاني التي قدمها في بداياته الإذاعية "بحب من غير أمل" و"يا ريتني طير لأطير حواليك"، وهما من كلمات الشاعر الفلسطيني يحيى اللبابيدي، إلى جانب أغنية "كلمت حبك" من ألحان مدحت عاصم.

ومع مرور الوقت، لم يعد فريد الأطرش مجرد عازف عود أو مطرب يظهر في الصالات، بل بدأ يرسخ مكانته بوصفه ملحنًا يمتلك أسلوبًا خاصًا، يجمع بين التعبير العاطفي والقدرة على توظيف العود في بناء ألحان مميزة.

أكثر من 300 أغنية و8 أوبريتات في مسيرته

قدم فريد الأطرش رصيدًا موسيقيًا ضخمًا، إذ لحن أكثر من 300 أغنية، إلى جانب عدد من القصائد المغناة باللغة العربية الفصحى، كما قدم ثمانية أوبريتات، من بينها "الربيع" و"بساط الريح"، اللذان ارتبطا باسمه وأصبحا من أشهر أعماله.

ومن أبرز القصائد والأغاني التي قدمها "أضنيتني بالهجر"، و"عش أنت"، و"ولا وعينيك"، و"عدت يا يوم مولدي"، و"وردة من دمنا"، و"لست وحدك"، وهي أعمال عكست تنوع تجربته بين الأغنية الرومانسية والقصيدة ذات الطابع الطربي.

كما تميزت موسيقاه بمسحة من الشجن، وهو ما ساهم في ارتباطه بلقب "الموسيقار الحزين"، إذ حضرت المشاعر العاطفية في عدد كبير من ألحانه، مع اعتماد واضح على العود بوصفه أحد أبرز مكونات هويته الموسيقية.

ولم يقتصر حضوره على التلحين والغناء، بل امتد إلى العزف، حيث اكتسب شهرة واسعة بمهارته على آلة العود، حتى ارتبط اسمه بلقب "ملك العود"، الذي أصبح أحد أبرز الألقاب التي عرفه بها الجمهور في العالم العربي.

فريد الأطرش والسينما.. رحلة جمعت الغناء والتمثيل

اتجه فريد الأطرش إلى السينما، مستفيدًا من موهبته الموسيقية وحضوره الفني، وكانت بدايته السينمائية من خلال فيلم "انتصار الشباب" للمخرج أحمد بدرخان، الذي جمعه بشقيقته أسمهان في العمل الوحيد الذي ظهرا فيه معًا على الشاشة.

وبعد ذلك، تعاون مع أحمد بدرخان في فيلم "شهر العسل" أمام الفنانة مديحة يسري، ثم توالت مشاركاته في عدد من الأفلام الغنائية والاستعراضية التي أتاحت له تقديم ألحانه وأغانيه ضمن أحداث درامية.

ومن أبرز أفلامه "آخر كدبة"، و"تعالى سلم"، و"حبيب العمر"، و"عفريتة هانم"، كما شكل مع الفنانة سامية جمال ثنائيًا فنيًا شهيرًا، إذ اجتمعا في عدد من الأعمال التي امتزج فيها الغناء بأدائها الاستعراضي والراقص على ألحانه.

كما تعاون مع صباح في أعمال من بينها "حبي وبلبل أفندي"، وشارك لبنى عبد العزيز في فيلم "رسالة من امرأة مجهولة"، وقدم مع مريم فخر الدين فيلم "عهد الهوى"، ومع شادية فيلم "ودعت حبك"، ومع زبيدة ثروت فيلم "زمان يا حب"، ومع سميرة أحمد فيلم "شاطئ الحب".

وكان آخر أفلامه "نغم في حياتي"، الذي شاركته بطولته ميرفت أمين، ليختتم به جانبًا مهمًا من مسيرته السينمائية التي جمع فيها بين التمثيل والغناء والتلحين، وقدم من خلالها لونًا فنيًا ارتبط باسمه لعقود.

أوسمة وتكريمات.. اعتراف بمكانته الموسيقية

حظي فريد الأطرش بتكريمات متعددة خلال مسيرته الفنية، وحصل على أكثر من 15 وسامًا وقلادة ونيشانًا، تقديرًا لإسهاماته في الموسيقى والغناء ومن بين هذه التكريمات وسام الخلود من فرنسا، الذي أشير إليه باعتباره من أبرز الأوسمة التي نالها فنان عربي في ذلك الوقت.

كما نال تقديرًا لمهارته في العزف على العود، واكتسب شهرة واسعة في تركيا، حيث عُرف بلقب "ملك العود" ومنحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الجمهورية تقديرًا لعطائه الفني والموسيقي، في تكريم عكس مكانته بين أبرز الفنانين العرب.

ولم تأتِ هذه المكانة من ألحانه وأغانيه فقط، بل من تجربته المتعددة التي جمعت بين الغناء والتلحين والعزف والتمثيل والإنتاج، وهو ما جعله من الفنانين الذين تركوا أثرًا واضحًا في أكثر من مجال فني.

رحيل فريد الأطرش في بيروت ووصيته الأخيرة

في أواخر رحلته الفنية، تعرض فريد الأطرش لأزمة صحية خلال وجوده في بيروت، بعد معاناة مع مشكلات في القلب، ليرحل في 26 ديسمبر عام 1974، عن عمر ناهز 57 عامًا، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا كبيرًا من الأغاني والألحان والأفلام.

وكان فريد الأطرش قد أوصى بأن يُدفن في مصر، ونُفذت وصيته بعد وفاته، فنُقل جثمانه إلى القاهرة ودُفن في منطقة البساتين بجوار شقيقته أسمهان، لتجتمع رفاتهما في المكان الذي شهد جانبًا مهمًا من رحلتهما الفنية.

وبين بدايات صعبة فرضتها ظروف الأسرة، ورحلة طويلة من العمل والتعلم، وصولًا إلى الشهرة والتكريم، بقي فريد الأطرش أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الموسيقى العربية، بما قدمه من ألحان وأغانٍ وأعمال سينمائية جعلت اسمه حاضرًا في ذاكرة أجيال متعاقبة.

تم نسخ الرابط