الملك والهضبة.. كيف صنعت الجغرافيا نجومية محمد منير وعمرو دياب؟

محمد منير وعمرو دياب
محمد منير وعمرو دياب

بشكل أو بآخر، من يتابع مشوار محمد منير جيدا سيجده معبرا عن تفاصيل البيئة التي نشأ فيها، وكذلك عمرو دياب. فمحمد منير هو ابن النوبة، لا يغني بلهجتها فحسب، بل شارك أيضا في نشر اللهجة النوبية من خلال مجموعة من الأغنيات التي حرص على تقديمها عبر مشواره الغنائي، وحققت في كل مرة انتشارا جماهيريا واسعا.

وعلى مستوى الشكل الموسيقي، سنجد منير يستخدم الإيقاعات التي تحيلنا إلى الهوية النوبية، من خلال الدفوف وغيرها من العناصر الإيقاعية، كما يعبر عن ثقافة المجتمع الذي نشأ فيه عبر اختياراته للملابس والألوان، وحتى في تصوير كليباته، التي ظهرت في كثير منها ملامح البيئة النوبية. بل إن هذا الامتداد وصل إلى اختياراته الفنية الأخرى، فعندما قدم تتر مسلسل غنائي للأطفال، كان بطله يجسد شخصية طفل نوبي.

وحتى عندما يقدم منير أغنيات الغزل في المرأة، فإنه يستمد من البيئة التي ولد فيها لغة تعبر عن خصوصية المكان. ففي أغنية «في عشق البنات»، استدعى من الأغنية التراثية المقطع الذي يقول: «أم صبعين رطب والباقي بلح أمهات». 

وهذا التعبير ليس مجرد وسيلة للغزل، بل هو انعكاس لأصالة العالم الذي يستمد منه «الملك» جزءً من هويته الفنية؛ فارتباط البلح والنخيل بأهل النوبة ارتباط وجودي وثقافي واقتصادي يمتد لآلاف السنين في وادي النيل. لم تكن النخلة بالنسبة إلى النوبي مجرد شجرة مثمرة، بل كانت رمزا للحياة والعمران، وأحد ملامح حضارته، ومصدرا مهما للغذاء والكساء والاقتصاد.

وعندما نتأمل مشوار منير من بعيد، سنجده أشبه بنهر النيل قبل بناء السد العالي؛ تارة يفيض بالإبداع والتدفق والنجومية والتألق، وتارة أخرى يتراجع منسوب عطائه، كما هي الحال في المرحلة التي يعيشها «الملك» الآن.

أما عمرو دياب، فهو ابن بورسعيد، المدينة الساحلية التي تشكل وعي أبنائها في بيئة تتقاطع فيها الثقافات واللهجات، بحكم تعاملهم مع السفن والمراكب القادمة من مختلف أنحاء العالم. ومن سافر إلى مدن القناة، وتحدث مع أبنائها الذين يتعاملون مع السفن العابرة لقناة السويس، سيلاحظ قدرتهم على التقاط كلمات من لغات ولهجات متعددة، بما يساعدهم على التواصل مع جنسيات مختلفة.

وهذا ما يمكن أن نلمسه في تجربة عمرو دياب الموسيقية؛ فأغنياته تحمل في كثير من الأحيان طابعا عالميا، يجعلها قادرة على الوصول إلى مستمعين من ثقافات مختلفة. وقد لا يفهم المستمع كلمات الأغنية، لكنه يستطيع أن يتفاعل مع موسيقاها، ويشعر بالألفة معها، من دون أن يحس بأنه أمام تجربة غريبة عنه. 

إنها الخلطة الموسيقية التي حافظ عليها «الهضبة» عبر عقود، حتى مع تغير الشعراء والملحنين والموزعين الذين تعاون معهم، وهو ما يعكس امتلاكه «سر الصنعة» وقدرته على استيعاب المتغيرات من دون التفريط في هويته.

ولعل هذا ما يفسر اتساع الدائرة التي وصلت إليها أغنياته، حتى إن عدد النسخ المترجمة من أغاني عمرو دياب، وفقا للأرقام المتداولة، تجاوز حاجز 260 أغنية!.

وإذا كان مشوار محمد منير يشبه نهر النيل قبل بناء السد العالي، بما يحمله من تغيرات بين الفيضان والانحسار، فإن مشوار عمرو دياب يشبه قناة السويس في انتظام حركة الملاحة فيها واستمرار دورها الحيوي، رغم ما قد يطرأ من متغيرات.

وإذا كانت قناة السويس جسرا يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، فإن عمرو دياب يؤدي دورا مشابها في الموسيقى؛ فهو جسر يصل الموسيقى المصرية بالاتجاهات العالمية، ويقدمها في قالب يستطيع المستمع خارج مصر التفاعل معه.

وحتى على المستوى الاقتصادي، تبدو المقارنة لافتة؛ فقناة السويس أحد المصادر المهمة للدخل القومي المصري، وعمرو دياب أحد أبرز الأسماء المؤثرة في اقتصاد الغناء المصري، بما يحققه من حضور جماهيري وإيرادات ومكانة تجارية.

 وكما تحافظ القناة على أهميتها الاستراتيجية عبر الزمن، استطاع «الهضبة» الحفاظ على موقعه في قمة المشهد الغنائي لعقود، متجاوزا تغير الأجيال والأذواق وصناع الموسيقى، ليصبح الاستمرار في حد ذاته أحد أهم ملامح تجربته.

تم نسخ الرابط