مصر تمتلك آلاف القصص.. نقاد يفتحون ملف الدراما التاريخية
تزدهر مصر بتاريخ طويل وحافل بالشخصيات والأحداث والحقب التي تحمل آلاف القصص القابلة للتحويل إلى أعمال درامية، إلا أن حضور الدراما التاريخية على الشاشة المصرية تراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الإنتاج وتغير اهتمامات الجمهور وتبدل خريطة صناعة الدراما.
ويرى عدد من النقاد أن أسباب هذا التراجع لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها حسابات الإنتاج والتسويق، وطبيعة الموضوعات المختارة، إلى جانب آليات صناعة الدراما ومدى توافر الكتاب القادرين على تقديم التاريخ في قالب جذاب، فضلا عن اختلاف عادات المشاهدة لدى الجمهور حاليا.
ترصد لكم وشوشة في التقرير التالي آراء عدد من النقاد حول أسباب تراجع الأعمال التاريخية، وهل تعود الأزمة إلى ارتفاع التكلفة الإنتاجية، أم تغير ذوق الجمهور، أم طريقة اختيار الموضوعات وصناع الأعمال، رغم امتلاك مصر هذا الرصيد الكبير من التاريخ والشخصيات التي يمكن أن تتحول إلى أعمال درامية.
الناقد رامي المتولي
وأوضح الناقد رامي المتولي أن الحديث عن الأعمال التاريخية بكل أنواعها يرتبط بأكثر من عنصر، مشيرا إلى أن التكلفة الإنتاجية المرتفعة تأتي في مقدمة الأسباب، خاصة أن الأعمال التاريخية تحتاج إلى تنسيق كبير بين أكثر من جهة، ولا تستطيع المؤسسات الإنتاجية تنفيذها بمفردها في كثير من الحالات.
وأضاف رامي المتولي أن الأمر يختلف بحسب طبيعة العمل والفترة التاريخية التي يتناولها، موضحا: «لو بنعمل فيلم تاريخي حربي، سواء من وقت قديم أو وقت جديد، بنحتاج إن المؤسسة العسكرية تكون موجودة بشكل أو بآخر في عملية الإنتاج».
وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على الأعمال التي تتناول أحداثا حربية أو شخصيات دينية أو مراحل من التاريخ المصري، خاصة إذا كانت الأحداث تعود إلى فترات قديمة، موضحا أن هذه الأعمال قد تحتاج إلى وجود المؤسسة العسكرية إلى جانب خبراء في التاريخ لمراجعة التفاصيل والتأكد من دقتها.
وأوضح أن إنتاج العمل التاريخي يحتاج إلى جهد بحثي كبير، فضلا عن متطلبات إضافية بالنسبة للممثلين الذين يقدمون هذه الشخصيات، قائلا: «الأدوات عند الممثلين اللي بيقدموا الأدوار دي تكون زيادة شوية عن الأعمال اللي هي بتدور في العصر الحالي».
وتابع أن بعض الأعمال التاريخية تتطلب من الممثل إتقان اللغة العربية الفصحى، موضحا: «يكون العمل بيتطلب إنه يحاوره باللغة العربية الفصحى مثلا، فلازم يكون البطل أو الممثل أو اللي بيؤدي الشخصية عنده إلمام تام باللغة دي»، لافتا إلى أن تقديم شخصية أجنبية قد يتطلب أيضا من الممثل إتقان اللغة الأجنبية التي تتحدث بها الشخصية، وهو ما يمثل تحديا إضافيا على مستوى الأداء.
وأشار المتولي إلى أن هذه المتطلبات لا تتوقف عند اللغة والأداء، وإنما تمتد إلى التدريبات الخاصة بالأداء ومشاهد الحركة، خاصة في الأعمال الحربية، موضحا أن تقديم حقبة تاريخية معينة يتطلب دراسة دقيقة لتفاصيل الفترة التي يتناولها العمل، حتى إذا لم يكن العمل حربيا.
وقال: «لو بنتكلم مثلا على حقبة تاريخية معينة وما يكونش العمل ده حربي أو فيه حاجة بتستوجب إن هو يزيد عليها عناصر، هتلاقي إن الطبيعي لازم يكون فيه بحث عن المرحلة التاريخية، بتبتدي من طريقة الكلام، ,و حتى العادات والتقاليد اللي كانت موجودة في الوقت ده».
ولفت إلى أن البحث التاريخي يمتد أيضا إلى تفاصيل الحياة اليومية، وشكل البلد في تلك الفترة، والأزياء المستخدمة، والألوان التي كانت متاحة في ذلك العصر، بالإضافة إلى أنواع التطريز وطريقة خياطة الملابس، ومدى وجود التكنولوجيا التي تسمح باستخدام أنواع معينة من الألوان، مؤكدا أن كل هذه التفاصيل ضرورية للوصول إلى أكبر قدر من الدقة التي يطلبها العمل.
وشدد الناقد رامي المتولي على أن امتلاك مصر تاريخا ثريا ومتنوعا لا يعني بالضرورة أن الأعمال التاريخية ستنتشر أو يتم إنتاجها بكثافة، موضحا: «فكرة إن أنا أعمل عمل تاريخي مش بس إن يكون الدولة ثرية وعندها تاريخ قوي ومتنوع، هو اللي بيخلي الأعمال دي تنتشر أو هي يتم إنتاجها بكثافة».
وأكد أن هناك عنصرا أساسيا لا يقل أهمية عن الإمكانيات الإنتاجية، وهو السيناريست، قائلا: «السيناريو هو العمود الفقري لأي عمل»، موضحا أن وجود سيناريست ملم بالتاريخ، ولديه اهتمام حقيقي بهذه المساحة وقادر على تحويلها إلى عمل درامي، يمثل عاملا أساسيا في إنتاج الأعمال التاريخية.
وأشار إلى أن مصر كان لديها عدد من الكتاب الذين تميزوا في هذه المساحة، ومن بينهم محفوظ عبد الرحمن، وعبد السلام أمين، ووحيد حامد، مؤكدا أن هذه الأسماء قدمت أعمالا مهمة، وأن إنتاج أعمال تاريخية قوية يحتاج إلى وجود سيناريست يمتلك القدرة والثقة للتعامل مع هذه النوعية من الكتابة.
وأوضح المتولي أن العمل التاريخي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد عمل درامي، لأنه يقدم صورة عن مرحلة تاريخية معينة، وهو ما يجعله بحاجة إلى درجة أكبر من التدقيق والمراجعة.
وأضاف: «لما بنقصد العمل التاريخي، لأنه هنا بيمس صورة الدولة والمجتمع، وبالتالي التدقيق في التفاصيل دي بيبقى أكبر وأهم»، مشيرا إلى أن مسؤولية العمل التاريخي لا تقتصر على تقديم الأحداث، وإنما تمتد إلى الحفاظ على دقة الصورة التي يقدمها عن الدولة والمجتمع والمرحلة الزمنية التي يتناولها.
واختتم الناقد رامي المتولي حديثه بالتأكيد على أن إنتاج الأعمال التاريخية يحتاج إلى مجموعة متكاملة من العناصر، بداية من الإمكانيات والتكلفة الإنتاجية، مرورا بالبحث والمراجعة والتدريب، وصولا إلى وجود سيناريست قادر على تقديم التاريخ في قالب درامي، بما يضمن خروج العمل بصورة دقيقة ومتماسكة.
الناقد أحمد سعد الدين
ويرى الناقد أحمد سعد الدين أن الدراما التاريخية تمثل عنصرا مهما لأي مجتمع يسعى إلى تعزيز الثقافة والوعي، مؤكدا أن مصر تمتلك آلاف القصص والشخصيات التي تصلح لتقديمها في أعمال درامية، بداية من رموز الثقافة والفكر في القرن العشرين وحتى الشخصيات التاريخية التي سبقتها.
وقال أحمد سعد الدين: «الدراما التاريخية شيء مهم جدا بالنسبة لأي مجتمع محتاج ثقافة»، مشيرا إلى أن مصر تمتلك نماذج بارزة يمكن تحويل سيرتها إلى أعمال درامية، مثل طه حسين، وعباس العقاد، وجمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، إلى جانب عدد كبير من الشخصيات التي تحمل قصصا يمكن أن تكون ذات قيمة تثقيفية للمشاهد.
وتساءل عن أسباب عدم استثمار الدراما المصرية في هذه القصص، قائلا: «إيه اللي بيخلينا ما نوصلش، ما ناخدش هذه القصص اللي هي تهم المشاهد من الناحية التثقيفية، وناخد قصص عايشة وتافهة في دراما الكومباوند وغيره ».
وأوضح سعد الدين أن شكل الإنتاج الدرامي شهد تغيرا كبيرا على مدار السنوات الماضية، مشيرا إلى أن فترة إنتاج قطاع الإنتاج التابع لاتحاد الإذاعة والتلفزيون كانت تشهد تنوعا واضحا في خريطة الأعمال، بحيث تضم الدراما الاجتماعية والترفيهية والتاريخية والدينية.
وأشار إلى أنه في موسم رمضان، على سبيل المثال، كان من الممكن أن يجتمع عمل اجتماعي مثل «ليالي الحلمية»، إلى جانب أعمال ترفيهية وكوميدية، وأعمال تاريخية مثل «الفرسان» و«الأبطال»، وأعمال دينية مثل «لا إله إلا الله» و«الوعد الحق»، موضحا أن هذا التنوع كان يهدف إلى تلبية مختلف أذواق الجمهور، وفي الوقت نفسه رفع القيمة الثقافية للأعمال المقدمة للمجتمع.
وأكد أن انتقال الجزء الأكبر من الإنتاج إلى القطاع الخاص أحدث تغيرا في طريقة النظر إلى الأعمال الدرامية، موضحا أن المنتج الخاص يهتم بالجانب التجاري وحسابات التكلفة والعائد، قائلا: «منتج القطاع الخاص لا يهتم بالجانب التثقيفي ، و لكن يهتم بالجانب التجاري، أنا صرفت عشرة، المفروض يجيلي عشرين، وساعات يجيلي خمسين مش أقل».
وأوضح أن هذه الحسابات تؤثر بشكل مباشر على اختيار الأعمال التاريخية، نظرا لارتفاع تكلفتها الإنتاجية، قائلا: «لما ييجي بقى المنتج ويشوف الموضوع التاريخي، أقولك لأ، أصل الموضوع التاريخي محتاج ملابس»، مشيرا إلى أن تقديم حقبة تاريخية قديمة يتطلب توفير الملابس والخيام والأسلحة والسيوف والخيول وغيرها من العناصر التي ترفع تكلفة الإنتاج.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع التكلفة، وإنما أيضا بسرعة استردادها، موضحا أن المنتج الذي يبحث عن عائد سريع قد يجد أن العمل التاريخي يحتاج إلى فترة أطول لاستعادة تكلفته وتحقيق الأرباح، وهو ما يجعله أقل جاذبية من الناحية الاستثمارية بالنسبة لبعض المنتجين.
وأكد سعد الدين في الوقت نفسه أن الحاجة إلى الدراما التاريخية ما زالت قائمة، مستشهدا بالأعمال التاريخية التي قدمتها الدراما المصرية وحققت حضورا مستمرا لدى الجمهور، قائلا: «أنا وزودينا ربنا على أجمل الأعمال التاريخية اللي لحد النهاردة إحنا بنستشهد بيها».
وأشار إلى أن هذه الأعمال ساهمت في تعريف الجمهور بشخصيات ورموز تاريخية وثقافية، موضحا أنه عندما يرغب في استعادة سيرة طه حسين يعود إلى مسلسل «الأيام»، وعندما يتناول شخصية عباس العقاد يعود إلى مسلسل «العملاق» الذي قدم فيه محمود مرسي شخصية العقاد.
واختتم أحمد سعد الدين حديثه بالتأكيد على أن مصر لا تفتقر إلى الشخصيات أو الأحداث أو الفترات التاريخية التي يمكن تحويلها إلى أعمال درامية، مشيرا إلى أن تاريخ مصر يمتد من عصور مختلفة، بما فيها عصر المماليك والحروب وغيرها من المراحل، لكن السؤال الحقيقي من وجهة نظره يتعلق بالجهة الإنتاجية التي تستطيع تقديم هذه القصص مع مراعاة ذوق الجمهور.
وأضاف أن إنتاج الأعمال التاريخية يحتاج إلى جهة إنتاجية تضع في اعتبارها البعد الثقافي إلى جانب العائد التجاري، خاصة أن القطاع الخاص، في حال عدم وجود دعم أو جهة تتبنى هذه النوعية من الأعمال، يظل معنيا بدرجة أساسية بتحقيق الربح المباشر، وهو ما ينعكس على طبيعة الموضوعات التي يتم اختيارها للإنتاج.
الناقد عماد يسري
ويرى الناقد عماد يسري أن السبب الرئيسي وراء تراجع إنتاج الأعمال التي تتناول تاريخ مصر والشخصيات البارزة في تاريخها لا يتعلق بأزمة إنتاجية، وإنما يرتبط بغياب الإرادة الحقيقية لتقديم هذه النوعية من الأعمال.
وأوضح يسري أن مصر تمتلك الإمكانيات اللازمة لإنتاج أعمال درامية تتناول تاريخها وشخصياتها المتميزة، إلا أن الأمر يحتاج، من وجهة نظره، إلى وجود إرادة لاختيار موضوعات مناسبة والاستعانة بمواهب جديدة قادرة على تقديمها، بدلا من الاعتماد المستمر على عناصر سبق أن أثبتت، بحسب وصفه، عدم قدرتها على تقديم أعمال ناجحة.
وقال الناقد عماد يسري: «المشكلة في الإرادة، إرادة إنتاج عمل يعني يعبر عن تاريخ مصر وعن الشخصيات المتميزة في مصر. الإرادة فقط، مع الاعتماد على مواهب جديدة، كفاينا الاعتماد على من أثبتوا الفشل الذريع فيما يقدم الآن في الكثير من الأعمال، سواء في الدراما التلفزيونية أو السينما».
وأشار إلى أن كثرة الإنتاج الدرامي، خاصة خلال موسم رمضان، لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الأعمال المقدمة، موضحا أن نسبة كبيرة منها، من وجهة نظره، لا تحقق النجاح ولا تترك أثرا لدى الجمهور.
وأضاف: «إحنا ممكن بقينا ننتج أعمال درامية كثيرة، وتحديدًا في رمضان، وتسعين في المية منها فاشل، ده بشهادة الجمهور، مش بشهادتي أنا كمان، لا أحد يتذكرها أصلًا».
وأوضح يسري أن المشكلة، في رأيه، تبدأ من مرحلة اختيار الموضوعات وصناع الأعمال، معتبرا أن بعض الاختيارات لا تكون على المستوى المطلوب، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة المنتج الدرامي ومدى وصوله إلى الجمهور.
وتابع: «ده بسبب إن فيه قائمين على الاختيار للأسف كانوا يختارون موضوعات أو صناع لتلك الأعمال غير جديرين بالثقة، فبالتالي الأعمال كانت فاشلة، أو الأعمال كانت للأسف لم تصل إلى الجمهور».
وأكد أن غياب الأعمال التاريخية لا يمكن تفسيره، من وجهة نظره، بعدم وجود إنتاج أو إمكانيات، قائلا: «فإذن الأسباب ليست إنتاجية، عندنا إنتاج، وإنما لا يوجد إرادة».
واستشهد الناقد بما تحققه بعض الأعمال المصرية المعروضة في دول الخليج، موضحا أن نجاحها هناك، بحسب رؤيته، يؤكد أن الجمهور يمكن أن يتفاعل مع الأعمال الدرامية عندما تتوافر لها العناصر المناسبة، قائلا: «ومن يقول أن الأعمال لا يتم مشاهدتها نرى ذلك من خلال الأعمال التي تُعرض في دول الخليج الآن وكلها ناجحة».
واختتم عماد يسري حديثه بالتأكيد على أن أزمة الدراما التاريخية، في رأيه، ترتبط بشكل أساسي بآليات الاختيار والعناصر المشاركة في صناعة العمل، معتبرا أن ما وصفه بـ«الشللية» والاستعانة بعناصر لا تمتلك المستوى الإبداعي المطلوب من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى خروج أعمال لا تحقق النجاح أو لا تصل إلى الجمهور بالشكل المأمول.
الناقد أحمد السماحي
ويرى الناقد أحمد السماحي أن السؤال حول أسباب غياب الأعمال التاريخية عن الدراما المصرية يحتاج إلى النظر إلى منظومة صناعة الدراما بشكل كامل، مؤكدا أن المشكلة لا ترتبط بالإنتاج وحده أو باختيار الموضوعات فقط، وإنما تمتد إلى نموذج صناعة الدراما نفسه، وطريقة تقديم التاريخ بالشكل الذي يستطيع من خلاله جذب الجمهور.
وأوضح السماحي أن هناك مفارقة واضحة تتمثل في أن الدراسات والتجارب الصناعية تشير إلى اهتمام الجمهور بالأعمال التاريخية، لافتا إلى أن بعض الدراسات المرتبطة بالمنصات أكدت أن المحتوى التاريخي كان من أبرز عناصر الجذب لدى عينات من الجمهور، وهو ما يطرح تساؤلا حول أسباب عدم حضور هذه النوعية من الأعمال بالشكل الكافي على شاشات السينما والدراما والفضائيات.
وأكد أن الإنتاج يمثل أحد أبرز العوائق أمام تقديم المسلسلات التاريخية، موضحا أن العمل التاريخي لا يحتاج فقط إلى ممثلين وديكورات مناسبة، وإنما يتطلب بناء عالم متكامل يتناسب مع الفترة الزمنية التي يتناولها العمل.
وأوضح أن المسلسل التاريخي يحتاج إلى مواقع تصوير مناسبة أو بناء عوالم كاملة، إلى جانب الملابس والإكسسوارات، وفي بعض القصص يحتاج إلى جيوش ومجاميع كبيرة، فضلا عن الأسلحة والمركبات ووسائل النقل التاريخية، بالإضافة إلى الاستعانة بخبراء في البحث التاريخي واللغة، وهو ما يتطلب فترة أطول للتحضير والتصوير.
وأضاف أن بعض الأعمال التاريخية قد تحتاج أيضا إلى مؤثرات بصرية أو تنفيذ معارك واسعة، وهو ما يرفع التكلفة الإنتاجية بشكل أكبر، مشيرا إلى أن ارتفاع تكلفة الخطأ في هذا النوع من الأعمال يمثل تحديا إضافيا أمام صناعها.
وأوضح السماحي أن إنفاق ميزانية ضخمة على مسلسل تاريخي ثم وجود مشكلة في الحبكة الدرامية قد يجعل إنقاذ العمل أكثر صعوبة، بعكس الدراما المعاصرة التي يمكن في بعض الأحيان التعامل مع ضعف أحد عناصرها من خلال الاعتماد على الحوار أو عدد محدود من مواقع التصوير.
وانتقل الناقد إلى نقطة اختيار الموضوع، معتبرا أنها قد تكون المشكلة الأعمق في تقديم الدراما التاريخية، موضحا أن التاريخ العربي لا يعاني من نقص في القصص، وإنما ربما يكون غناه وتنوعه سببا في صعوبة اختيار القصة المناسبة.
وقال إن بعض المشاريع تبدأ من سؤال: «أي شخصية تاريخية مهمة نستطيع أن نصنع عنها مسلسل؟»، بينما يرى أن السؤال الدرامي الأهم يجب أن يكون: «ما القصة الإنسانية التي يمكن أن نحكيها من خلال التاريخ؟».
وأوضح أن هناك فرقا كبيرا بين الشخصية التاريخية والقصة الإنسانية، مشيرا إلى أن وجود شخصية تاريخية مهمة لا يعني بالضرورة أن حياتها تصلح وحدها لتقديم عمل درامي ناجح، وإنما يجب أن تتوافر داخل القصة عناصر إنسانية وصراعات يستطيع الجمهور التفاعل معها.
وأضاف أن البطل التاريخي لا يكفي أن يكون قائدا عظيما، وإنما يحتاج العمل إلى تقديم صراعات شخصية مرتبطة بالطموح والخسارة والحب والخيانة والمنافسة والأزمات الأخلاقية، وهي العناصر التي تجعل المشاهد يتابع الإنسان والشخصية الدرامية قبل أن يتابع الجانب التاريخي.
وأشار السماحي إلى أن هذا كان أحد أسباب نجاح عدد من الأعمال التاريخية القديمة، موضحا أن التاريخ فيها كان مسرحا للقصة وليس القصة كلها، وهو ما جعل الشخصيات قريبة من الجمهور رغم ارتباطها بفترات تاريخية مختلفة.
وتطرق الناقد إلى مشكلة أخرى تواجه الدراما التاريخية، وهي ما وصفه بـ«الخوف من التاريخ»، موضحا أن الكاتب يجد نفسه أمام معضلة صعبة، فإذا التزم بالوقائع التاريخية بشكل حرفي، قد يتحول العمل إلى ما يشبه إعادة تمثيل لكتاب تاريخ، بينما إذا منح نفسه مساحة كبيرة للاختراع، فقد يواجه اعتراضات المؤرخين والجمهور.
وأوضح أن الدراما التاريخية تحتاج إلى منطقة وسطى، تقوم على احترام الوقائع الأساسية مع منح الكاتب مساحة كافية لبناء الشخصيات والحوار والصراعات الدرامية، مؤكدا أن هذه المسألة ليست هامشية، لأن الأعمال الدرامية التاريخية تؤثر في الطريقة التي يتصور بها الجمهور الشخصيات والأحداث التاريخية.
وأشار إلى أن ذلك يجعل الدقة والمعالجة الدرامية عنصرين أساسيين في العمل التاريخي، بحيث لا يفقد العمل قيمته الدرامية من أجل الالتزام الحرفي بكل التفاصيل، وفي الوقت نفسه لا يبتعد عن الحقائق الأساسية التي يقوم عليها التاريخ الذي يتناوله.
وتحدث السماحي كذلك عن تغير طبيعة الجمهور وعادات المشاهدة، موضحا أن الجمهور المعاصر أصبح أكثر سرعة وانتقائية، وأن الدراسات المرتبطة بالمنصات تشير إلى اتجاه نحو الحلقات الأقصر والإيقاع الأسرع والمشاهدة عند الطلب، مقارنة بالنموذج التقليدي الذي كان يعتمد على الأعمال الطويلة والعرض اليومي.
ولفت إلى ظهور ما يعرف بـ«الميكرو دراما»، التي تقدم حلقات قصيرة للغاية قد تصل إلى دقائق معدودة، موضحا أن هذا الاتجاه يرتبط بالإيقاع السريع للحياة المعاصرة، إلى جانب الظروف الاقتصادية التي تؤثر في طريقة استهلاك الجمهور للمحتوى.
وأضاف أن الجمهور أصبح يبحث عن محتوى يمكن متابعته بسهولة عبر الهاتف والمنصات، وهو ما يمثل تحديا أمام الأعمال التاريخية الطويلة التي تحتاج إلى وقت كبير للتحضير والمشاهدة، خاصة مع انتشار نماذج كانت تعتمد في السابق على مسلسلات تمتد إلى 30 حلقة أو 45 و50 حلقة.
وأكد الناقد أحمد السماحي أن هذا التغير لا يعني بالضرورة أن الجمهور لم يعد مهتما بالتاريخ، وإنما يشير إلى ضرورة التفكير في الطريقة التي تقدم بها القصص التاريخية، بحيث تتوافق مع طبيعة المشاهدة الحالية، وتجمع بين القيمة التاريخية والعناصر الإنسانية والدرامية القادرة على جذب الجمهور.