قبل الشمعة الأولى.. علامات غير معتادة تكشف بوادر اضطراب التوحد
يُشكل العام الأول من حياة الطفل مرحلة بالغة الحساسية تشهد تطوراً متسارعاً في المهارات الحركية، الحسية، والاجتماعية.
وفي الوقت الذي تترقب فيه الأسر الابتسامة الأولى والكلمات البسيطة، قد تمر بعض التغيرات السلوكية الدقيقة دون أن تلفت الانتباه، ظناً بأنها مجرد سمات فردية أو هدوء طبيعي في شخصية الرضيع.
إلا أن الوعي الطبي الحديث بات يركز على هذه التفاصيل غير الملحوظة، لما تحمله من أهمية محورية في رصد مؤشرات اضطراب طيف التوحد في مراحله الأولى، مما يفتح الباب واسعاً أمام فرص التدخل المبكر ودعم النمو السليم.
إشارات هادئة تسبق التشخيص
أوضحت الدكتورة ثريا علم الدين، استشارية طب الأطفال، عبر حسابها الرسمي الموثق على منصة إنستغرام، أن العلامات الأولى لاضطراب طيف التوحد قد تبدأ في الظهور قبل إتمام الطفل لعامه الأول.
وشددت على أن هذه المؤشرات غالباً ما تكون هادئة وغير واضحة، ولا تظهر في صورة نوبات بكاء حادة أو سلوكيات لافتة ومزعجة كما قد يعتقد البعض، وهو السبب الرئيسي وراء تأخر كثير من الآباء والأمهات في ملاحظتها وتفسيرها بالشكل الصحيح.
وبيّنت أن غياب بعض التفاعلات الفطرية هو المعيار الأهم الذي ينبغي مراقبته؛ فالطفل الرضيع يتواصل مع محيطه بالحركات والنظرات والابتسامات قبل أن ينطق بالأحرف، وأي تراجع في هذا النمط التواصلي يستدعي الانتباه والمتابعة المتأنية.
أبرز السلوكيات والمؤشرات المبكرة
حددت الدكتورة ثريا مجموعة من العلامات المحورية التي يجب على الوالدين رصدها خلال الأشهر الاثني عشر الأولى من عمر الرضيع، وتتضمن:
غياب الابتسامة الاجتماعية: في الظروف التطورية المعتادة، يبدأ الطفل بالتفاعل بالابتسام استجابةً لملاعبة الوالدين وملامح وجوههم.
ويعد عدم ظهور الابتسامة الاجتماعية عند بلوغ الطفل عمر ستة أشهر مؤشراً يستوجب التوقف والملاحظة.
ضعف التواصل البصري: يواجه الرضيع صعوبة في تثبيت بصره على وجوه المحيطين به أو تبادل النظرات مع الوالدين ومتابعة تحركاتهم أثناء التحدث إليه.
عدم الاستجابة للاسم: يفترض أن يبدي الطفل التفاتاً أو رداً عند مناداته باسمه بحلول الشهر التاسع، في حين يُظهر بعض الأطفال تجاوباً ضعيفاً أو تجاهلاً ملحوظاً للصوت وكأنهم لا يسمعونه.
غياب محاولات لفت الانتباه: لا يبذل الطفل محاولات للتواصل غير اللفظي أو إشراك من حوله في عالمه، مثل الإشارة إلى الأشياء أو التلويح باليد لطلب المشاركة.
الانجذاب غير المعتاد للجمادات: يفضل الطفل الانخراط في اللعب مع الأشياء والمجسمات بصورة مفرطة، مبدياً اهتماماً بها يفوق بكثير تفاعله مع الأشخاص الحاضرين في محيطه.
السلوكيات والحركات النمطية المتكررة: تشمل بعض الحركات الجسدية التي تتكرر دون هدف وظيفي واضح، ومن أبرزها رفرفة اليدين باستمرار أو الدوران حول النفس.
متى تستدعي الحالة التقييم الطبي؟
أكدت استشارية طب الأطفال أن ملاحظة علامة واحدة منفردة لا تعني بأي حال من الأحوال إصابة الرضيع باضطراب طيف التوحد؛ فالأطفال يتفاوتون في وتيرة نموهم واكتسابهم للمهارات.
ولكن في المقابل، شددت على أن اجتماع عدة علامات معاً يشكل دافعاً أساسياً للتوجه إلى طبيب الأطفال المختص لإجراء فحص وتقييم شاملين.
وأشارت الدكتورة علم الدين إلى أن الهدف من الفحص المبكر ليس المسارعة في إطلاق تشخيص قطعي أو وضع تصنيف طبي متعجل على الطفل، وإنما إتاحة نافذة زمنية ثمينة لتقديم برامج الدعم والتأهيل المتخصصة.
ويُجمع الخبراء على أن التدخل في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث تكون مرونة الدماغ في أعلى مستوياتها، يمنح الطفل أفضل فرصة ممكنة لتطوير قدراته التواصلية والاجتماعية وتجاوز التحديات التنموية المستقبلية.


