"ليه أغاني التسعينيات لسه عايشة؟".. نقاد يكشفون لـ"وشوشة" سر تعلق الجمهور بها
رغم مرور سنوات طويلة على طرحها، لا تزال أغاني التسعينيات حاضرة بقوة في وجدان الجمهور، فبمجرد سماع مقدمة إحدى أغاني تلك الفترة، يبدأ المستمع في ترديد كلماتها وحفظ تفاصيلها، بل إن الأمر لم يعد مقتصرًا على أبناء جيل التسعينيات، وإنما امتد إلى الأجيال الأصغر سنًا التي تعود إلى أغاني تلك الحقبة وتعيد اكتشافها والاستماع إليها.
ولا تتوقف الظاهرة عند أغاني التسعينيات فقط، إذ تمتد إلى أغاني أجيال أقدم مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش والتي لا تزال حاضرة رغم مرور عقود على طرحها، فما الذي جعل هذه الأغاني قادرة على الاستمرار، بينما تختفي بعض الأغاني الحديثة سريعًا من ذاكرة الجمهور؟
ويستعرض لكم "وشوشة" خلال السطور التالية آراء عدد من النقاد حول سر استمرار أغاني التسعينيات والأغاني القديمة، وهل يرجع الأمر إلى قيمتها الفنية، أم ارتباطها بالذكريات والحنين إلى الماضي؟
أحمد السماحي: أغاني زمان كانت تبنى على مشروع فني متكامل
قال الناقد الفني أحمد السماحي في تصريح خاص لـ"وشوشة"، إن سر استمرار أغاني التسعينيات والأغاني القديمة يمكن اختصاره في كلمة واحدة وهي "الصدق"، موضحًا أن صناعة الأغنية في الماضي كانت تعتمد بشكل أساسي على موهبة الشاعر والملحن والموزع والمطرب، بعيدًا عن الوسائل التكنولوجية الحديثة.
وأوضح: "يمكنني أن أقول لك كلمة واحدة: الصدق، بمعنى أن كل شيء يتم التعامل معه بشكل صحيح جدًا، لا توجد تكنولوجيا ولا يوجد ذكاء اصطناعي ولا يوجد أي وسائل ممكنة إلا موهبة الشاعر والملحن والموزع وطبعًا المطرب".
وأضاف أن السؤال حول استمرار أغاني التسعينيات والأغاني القديمة يحمل الكثير من التناقضات، موضحًا: "أغاني التسعينات وأغاني الماضي كانت تبنى على مشروع فني متكامل، حيث يكتب الشاعر منجمًا من الصدق والمشاعر الإنسانية العميقة، ويسوق الملحن جملًا لحنية أصيلة ومقامات شرقية سرية تعيش طويلًا، إلى جانب الأصوات العذبة القوية المتمكنة التي تلقت تدريبًا حقيقيًا".
وتابع: "كنا بنشوف المطربين بيروحوا ياخدوا دروس عند الأساتذة اللي هو مش دارس موسيقى كان بيروح يدرس موسيقى عند أساتذة المقامات وأساتذة العود وأساتذة البيانو، وبالتالي كان فيه صدق في كل شيء".
وأشار السماحي إلى أن الإنتاج الموسيقي في الماضي لم يكن قائمًا على الاستهلاك السريع، قائلًا: "لم يكن الإنتاج الموسيقي في السابق استهلاكيًا أو عابرًا كما يحدث في كثير من الإنتاجات السريعة اليومية حاليًا، اللي بتتصنع خصيصًا للاستهلاك السريع على تيك توك وعلى منصات الموسيقى والتواصل الاجتماعي".
وأوضح أن الأغنية كانت تحصل على الوقت الكافي قبل طرحها للجمهور، قائلًا: "كانت الأغنية تأخذ وقتها الكافي في التوزيع والتسجيل الحي للآلات الموسيقية والتخت والفرقة الكبيرة والمراجعة الدقيقة قبل أن تطرح للجمهور".
ولفت إلى أن ارتباط الأغاني القديمة بذكريات المستمعين لعب دورًا أساسيًا في بقائها، قائلًا: "الأغاني القديمة ارتبطت بمراحل حقيقية في حياة كثير من الناس، في حياتي وحياتك وحياة آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، وذكريات الطفولة والشباب وأيام الصفا ومواقف لا تنسى".
واستكمل: "هذا الارتباط الوجداني والنفسي بيجعل الأغنية وكأنها وثيقة شخصية لحياة المستمع، فلا تمحى من ذاكرته بسهولة يعني أنا أقول إن أغاني التسعينات وأغاني الماضي بالنسبة لي، أنا كنت طالبًا في الجامعة وتخرجت في التسعينات، وبالتالي هذه الأغنيات بتحمل وثيقة شخصية لحياتي".
وفي المقابل، يرى السماحي أن جزءًا كبيرًا من الأغاني الحديثة يعتمد على عناصر مختلفة، موضحًا: "بتعتمد الغالبية العظمى من الأغاني الحديثة على الإيقاعات السريعة المقررة والمؤثرة والمؤثرات الإلكترونية والكلمات الاستهلاكية الخفيفة المصممة للانتشار والتريند، أكتر من بحثها عن الخلود والقيمة الفنية العميقة، مما يجعلها سريعة النسيان بمجرد ظهور موضة موسيقية جديدة".
واختتم حديثه قائلًا: "أغاني الأمس، أغاني التسعينات أو قبلها اللي هي أغاني السبعينات والثمانينات والستينات والخمسينات صنعت لتخاطب الروح والوجدان، بينما تكتفي أغلب الأغاني المعاصرة بمخاطبة اللحظة العابرة".
أحمد سعد الدين: الستينيات والسبعينيات كانت درة التاج في الغناء المصري
ومن جانبه، تحدث الناقد الفني أحمد سعد الدين في تصريح خاص لـ"وشوشة"، عن استمرار الأغاني القديمة، بداية من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وصولًا إلى جيل التسعينيات الذي ضم أسماء مثل عمرو دياب ومحمد فؤاد وإيهاب توفيق وغيرهم.
وقال: "طبعًا الأغاني القديمة، سواء هي جيلين فاتوا اللي هو جيل عبد الحليم وأم كلثوم وفريد والناس دي، وبعدين جيل التسعينات بقى زي عمرو دياب ومحمد فؤاد ووليد توفيق وإيهاب توفيق والمجموعة كلها".
وتابع متسائلًا: "إيه الفرق اللي بيخلينا نرجع للأغاني دي؟ حتى الجيل الصغير، اللي هو مواليد تسعين نفسه أو بعد تسعين مواليد 2000، عنده النهاردة 25 أو 26 سنة ليه بيرجع لأغاني تسعينات أو ما قبلها، اللي هي الستينات والسبعينات؟".
وأوضح أن الستينيات والسبعينيات كانتا من أهم الفترات في تاريخ الغناء المصري، قائلًا: "الستينات والسبعينات كانوا نقدر نقول درة التاج بالنسبة لمصر في الغناء، لأن كان فيه قامات هذه القامات متمثلة في المطربين وفي الملحنين وفي المؤلفين".
وأضاف: "أنا لما بقول أم كلثوم يبقى عندي رياض السنباطي كملحن عندي زكريا أحمد كملحن، عندي بقى أحمد رامي ورامي التونسي كمؤلفين، ودول أساتذة الأساتذة كانوا يكتبوا قصائد ويكتبوا كمان أغاني باللغة العامية باللهجة العامية".
وتابع حديثه عن عبد الحليم حافظ: "هلاقي إن عبد الحليم كان جنبه ملحنين زي الموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد حمزة وعبد الرحمن الأبنودي ومجموعة دي بتكتب، كانت أغاني لها قيمة وتمشي معها الثقافة الموجودة".
وأشار سعد الدين إلى أن جيل التسعينيات شهد تطورًا في شكل الأغنية، لكن مع الحفاظ على القيمة والمعنى، قائلًا: "لما جينا جيل التسعينات، ظهر في التمانينات عمرو دياب ومحمد فؤاد ومجموعة بقى محمد الحلو وعلي الحجار وهكذا، الأغاني ساعتها كانت تنافس على قيمة الأغنية الطربية".
وأوضح المقصود بذلك قائلًا: "يعني إيه؟ يعني الأغنية بتقول إيه؟ كلماتها بتقول إيه؟ اللحن مكمل للكلمات، يعني اللحن مكمل للغنى، فالناس كانت بتحبها. آه كانت أسرع شوية من السبعينات والستينات، ولكن كان لها معنى".
وفي المقابل، يرى أن بعض الأغاني الموجودة حاليًا تفتقد إلى العناصر التي تجعلها تعيش لفترة طويلة، قائلًا: "أما الأغاني الموجودة دلوقتي ما بتعيش ليه؟ أولًا هي عاملة ضوضاء، مع بعض ناس كتير جنب بعض بينافسوا بعض، إحنا مش عارفين ما بينافسوا على ليه".
وأضاف: "أي أغنية حالياً تلاقي إيقاع الموسيقى أعلى من صوت المطرب، طب أنا عامل بيه إيه؟ هفهم منه إيه طالما الموسيقى شغالة والناس عمالة ترقص وتضحك وتعمل ده؟ كلام مش صح".
واستشهد سعد الدين بحديث سابق جمع بين الفنان هاني شاكر والملحن محمد الموجي حول الفرق بين جمهور الماضي والجمهور الحالي، موضحًا أن طريقة استقبال الجمهور للأغاني تغيرت بشكل كبير.
وقال: "أنا مرة من المرات فاكر إن هاني شاكر ومحمد الموجي كانوا في لقاء، كلام ده في بداية التسعينات أو بداية الألفية، الموجي اتوفى في سنة 95 يعني في نص التسعينات، لما سألوهم على الجمهور زمان والجمهور دلوقتي، فقالوا الفارق كبير".
وأوضح: "لو شوفنا حفلة عبد الحليم وشوفنا حفلة أم كلثوم واللي بتتذاع هتلاقي عائلات ولابسين بدل شيك وسواريهات وقاعدين بيسمعوا ويسقفوا بعد الكوبليهات ما تخلص، أما الجمهور الحالي اللي إحنا فيه دلوقتي ده عمال بيتكلم ولا بيفهم ما هو بيقول إيه ولا غيره، هو كل الحكاية سامع إيقاع سريع ممكن يرقص عليه".
واختتم قائلًا: "فالفارق كبير ما بين الاثنين، عشان كده الناس الأغاني القديمة"..
محمد شميس: الحنين والذكريات أهم من جودة الأغنية
فيما يرى الناقد الفني محمد شميس أن استمرار بعض أغاني التسعينيات لا يرتبط بالضرورة بجودتها الفنية، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بالذكريات والحنين إلى الماضي، موضحًا أن الأمر له علاقة بعلم النفس.
وقال شميس في تصريح خاص لـ"وشوشة": "أعتقد دي حاجات كلها ليها علاقة بالنوستالجيا والأفكار وارتباط الناس بالذكريات، ومربوطة أكتر بعلم النفس، لكن ملهاش علاقة بالجودة".
وضرب مثالًا ببعض أغاني نجوم التسعينيات، موضحًا: "لأن في أغاني في التسعينيات كلها مقسوم وكلها شبه بعض والناس مرتبطة بيها، رغم إن نفس الفنانين دول عاملين حاجات أحسن منهم".
وأضاف: "مصطفى قمر مثلًا دلوقتي عامل حاجات أحسن من أغنية “يا ناس أنا دوبت في دباديبو”، بس الناس مرتبطة بيها لأنها متعلقة بالذاكرة والحنين للماضي".

