من "جرسون وشيال" إلى نجم كبير.. الحكاية التي لا يعرفها الجمهور عن جميل راتب
تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان الكبير جميل راتب، الذي ترك بصمة خاصة في تاريخ الفن المصري والعربي، بفضل أسلوبه الهادئ وأدائه المتفرد وقدرته على تقديم شخصيات مختلفة بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض.
ولد جميل أبو بكر راتب في 18 أغسطس 1926 بالقاهرة، ورحل عن عالمنا في 19 سبتمبر 2018 عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود، تنقل خلالها بين مصر وفرنسا وقدم العديد من الأدوار التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور.
جميل راتب.. حلم الفن يغيّر مسار حياته
نشأ جميل راتب في أسرة ميسورة، ودرس الحقوق باللغة الفرنسية، قبل أن يسافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، حيث كانت عائلته تتمنى أن يسلك طريق العمل الدبلوماسي.
لكن شغفه بالفن كان أقوى من رغبات أسرته، فقرر الاتجاه إلى دراسة المسرح والعمل في مجال التمثيل، وهو القرار الذي دفع أسرته إلى قطع المصروف عنه وحرمانه من المنحة التي كان يحصل عليها.
ولم تكن بداياته في فرنسا سهلة، إذ اضطر إلى العمل في عدد من المهن لتوفير نفقات حياته، فعمل في الترجمة، وظهر ككومبارس، كما عمل جرسونًا في أحد المقاهي وشيالًا في سوق للخضروات.
ورغم صعوبة تلك الفترة، ساهم احتكاكه بمختلف طبقات المجتمع في تكوين شخصيته الفنية، ومنحه خبرات إنسانية انعكست لاحقًا على طريقة أدائه للشخصيات التي قدمها.
28 عامًا في فرنسا.. من الكومبارس إلى المسرح
بدأ جميل راتب مسيرته الفنية في فرنسا، واستمر هناك نحو 28 عامًا، شارك خلالها في عدد من الأعمال الفنية، كما انضم إلى فرقة "الكوميدي فرانسيز"، ليصبح جزءًا من تجربة مسرحية وفنية مختلفة.
وساعده إتقانه للغات الأجنبية على المشاركة في عدد من الأعمال العالمية، من بينها فيلم "لورانس العرب" عام 1962، الذي جمعه بالفنان عمر الشريف، كما شارك بالأداء الصوتي في فيلم "عمر المختار" بطولة أنطوني كوين.
ورغم نجاحه خارج مصر، ظل ارتباط جميل راتب بالسينما المصرية قائمًا، ليقرر العودة إلى بلده وبدء مرحلة جديدة في مشواره الفني.
"الصعود إلى الهاوية".. بوابة الشهرة الجماهيرية
كانت عودة جميل راتب إلى مصر نقطة تحول مهمة في مسيرته، خاصة مع مشاركته في فيلم "الصعود إلى الهاوية" أمام الفنانة مديحة كامل عام 1974، لتتوالى بعدها أعماله السينمائية والتليفزيونية والمسرحية.
واستطاع خلال سنوات قليلة أن يثبت نفسه كواحد من أهم الفنانين القادرين على تقديم الشخصيات المركبة، سواء في أدوار الشر أو الشخصيات الاجتماعية أو الأدوار التي تحمل أبعادًا إنسانية مختلفة.
ومن أبرز الشخصيات التي قدمها "مفيد أبو الغار" في مسلسل "الراية البيضاء"، و"جدو أبو الفضل" في "يوميات ونيس"، إلى جانب شخصية "البهظ بيه" في فيلم "الكيف"، وشخصية الوزير في فيلم "طيور الظلام".
"البهظ بيه".. شخصية لا تشبه جميل راتب
تعد شخصية "البهظ بيه" واحدة من أشهر الشخصيات التي ارتبط بها اسم جميل راتب، خاصة أن الدور كان مختلفًا عن طبيعته وشخصيته الهادئة.
وتمكن راتب من تقديم الشخصية بطريقة جعلتها عالقة في أذهان الجمهور، ليصبح "البهظ بيه" من أبرز أدواره السينمائية، ويؤكد من خلاله قدرته على تقديم الشخصيات التي تحمل ملامح وتفاصيل بعيدة تمامًا عن شخصيته الحقيقية.
إشادة فرنسية بموهبته المسرحية
لم تقتصر تجربة جميل راتب على السينما والتليفزيون، إذ كان للمسرح مساحة مهمة في مشواره، خاصة خلال سنوات عمله في فرنسا.
ولفت أداؤه المسرحي الأنظار هناك، وحظي بإشادات من الصحافة الفرنسية، التي تناولت حضوره على خشبة المسرح وقدرته على جذب انتباه الجمهور بقوة الأداء ونظراته وتعبيراته.
وكانت تجربته في فرنسا مختلفة عن المسار التقليدي الذي سلكه عدد كبير من الفنانين المصريين، إذ بدأ راتب رحلته الفنية خارج مصر، قبل أن يعود إليها ويصبح واحدًا من أبرز نجومها.
حياة خاصة هادئة.. زواج واحد دون أبناء
على المستوى الشخصي، تزوج جميل راتب مرة واحدة من الفرنسية مونيكا مونتيفير، واستمرت بينهما علاقة يسودها الود والاحترام حتى بعد الانفصال.
ولم يرزق جميل راتب بأبناء، لكنه كان يعتبر مدير أعماله هاني قريبًا منه للغاية، وكان يرى في أبنائه أحفادًا له، وظلت علاقته بهم من العلاقات المهمة في حياته الخاصة.
أيامه الأخيرة.. هدوء حتى النهاية
خلال سنواته الأخيرة، ابتعد جميل راتب عن الأضواء تدريجيًا بسبب تراجع حالته الصحية، واضطر إلى استخدام كرسي متحرك، لكنه ظل محتفظًا بهدوئه وروحه المتفائلة وابتسامته التي عرفها عنه المقربون منه.
وفي أيامه الأخيرة، تدهورت حالته الصحية، كما عانى من احتباس في صوته، لكنه ظل حريصًا على استقبال زائريه والتعامل معهم بهدوئه المعتاد.
وكان جميل راتب قد تحدث قبل رحيله عن رغبته في أن تكون نهايته هادئة ودون ألم، وكان يعبر عن اشتياقه لأفراد أسرته الراحلين، قبل أن يرحل في 19 سبتمبر 2018.
ورغم مرور سنوات على رحيله، لا يزال اسم جميل راتب حاضرًا في ذاكرة الجمهور، بعدما ترك وراءه مجموعة كبيرة من الشخصيات والأعمال التي أكدت موهبته، ليبقى واحدًا من الفنانين الذين امتلكوا حضورًا خاصًا، وكان قادرًا على خطف الانتباه بمجرد ظهوره على الشاشة.