لحظة ولادة الجمهورية.. ما دور الإعلام في ثورة 23 يوليو 1952؟
تعتبر ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أهم الأحداث السياسية في تاريخ مصر الحديث، حيث أحدثت تحول جذري في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأسهمت في إنهاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية.
ولم يكن نجاح الثورة معتمدا على التحركات العسكرية فقط، بل كان للإعلام دور محوري في دعمها وإنجاح الثورة، ونقل رسائلها إلى الشعب وتشكيل الرأي العام وترسيخ مبادئها وأهدافها.
فقد أدرك قادة الثورة منذ اللحظات الأولى أهمية الإعلام باعتباره وسيلة للتواصل مع المواطنين وكسب ثقتهم، لذلك حرصوا على توظيفه في خدمة المشروع الوطني.
الإعلام قبل ثورة يوليو
قبل قيام الثورة، كانت وسائل الإعلام وخاصة الصحف تعمل في ظل قيود سياسية، وكان كثير منها يعبر عن توجهات الأحزاب أو يخضع لتأثير القصر والاحتلال البريطاني.
ورغم وجود صحف وطنية دافعت عن الاستقلال فإن الإعلام لم يكن قادر دائمًا على التعبير بحرية عن مطالب الشعب، وهذا هو ما جعل الحاجة ملحة إلى إعلام يعكس تطلعات المصريين ويواكب التغيرات السياسية.
الإذاعة ودورها في نجاح الثورة
كانت الإذاعة المصرية هي الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرًا وانتشارًا في ذلك الوقت، ولذلك حرص الضباط الأحرار على السيطرة عليها منذ الساعات الأولى للثورة.
وفي صباح 23 يوليو 1952، الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي كان وقتها بكباشي، البيان الأول للثورة عبر الإذاعة، موضحًا أسباب التحرك العسكري وأهدافه، ومؤكدًا أن القوات المسلحة تحركت لإنقاذ البلاد من الفساد وسوء الإدارة.
وجاء نص البيان كالآتي: "بني وطني، اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب، فقد تظافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرهم إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها.. وعلى ذلك، فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولابد أن مصر كلها ستلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين، فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب".
وتابع السادات في البيان: "إني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم يعمل كله لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف، لأن هذا ليس في صالح مصر وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونًا مع البوليس".
وطمأن الشعب المصري قائلًا: "أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولًا عنها، والله ولي التوفيق".
وقد كان لهذا البيان أثر كبير في طمأنة المواطنين، ومنع انتشار الشائعات، وتعزيز ثقة الشعب في قيادة الثورة، كما أنه أيضا ساعد في نقل الأحداث بسرعة إلى مختلف المحافظات، ليصبح الإعلام الإذاعي عنصر أساسيف ي نجاح الثورة.
دور الصحافة في دعم الثورة
بعد نجاح الثورة، لعبت الصحف دور مهم في شرح أهدافها ومبادئها للمواطنين ونشرت تفاصيل القرارات والإصلاحات التي اتخذها مجلس قيادة الثورة، مثل قانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية والعمل على إنهاء الاحتلال البريطاني.
كما ساهمت الصحافة في إبراز الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية ونشر ثقافة الانتماء الوطني وتعريف المواطنين بمفهوم العدالة الاجتماعية وأهمية التنمية مما ساعد على تعزيز التأييد الشعبي للثورة.
الإعلام وتشكيل الرأي العام
كان للإعلام دور كبير في تشكيل الرأي العام خلال تلك المرحلة، حيث لم يكتفي بنقل الأخبار، بل شارك في توضيح أهداف الثورة وتفسير القرارات السياسية وتشجيع المواطنين على المشاركة في بناء الدولة الجديدة.
كما ساهم في نشر قيم الوطنية والوحدة والعمل والإنتاج ودعم مشروعات التنمية التي تبنتها الدولة.
وقد استخدمت الثورة الإعلام أيضًا للتواصل مع الشعوب العربية حيث أصبحت الإذاعة المصرية وخاصة إذاعة صوت العرب وسيلة لنشر الأفكار القومية ودعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا.
تأثير الثورة على تطور الإعلام المصري
أحدثت ثورة يوليو تحولا كبيرا في قطاع الإعلام، حيث توسعت الدولة في تطوير المؤسسات الإعلامية وازداد الاهتمام بالإذاعة ثم جاء إطلاق التلفزيون المصري عام 1960 ليشكل مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام الوطني.
كما تم الاهتمام بإنتاج البرامج الثقافية والتعليمية والوطنية التي ساهمت في رفع الوعي العام وربط المواطنين بقضايا الوطن.



