"صحاب الأرض".. دراما تكسر الرواية الإسرائيلية وتحوّل حرب غزة إلى معركة على الشاشة
في تجربة درامية استثنائية لفتت الأنظار عربيًا ودوليًا، نجح مسلسل صحاب الأرض في وضع الحرب على غزة في قلب المشهد الفني، ليصبح واحدًا من أكثر الأعمال إثارة للجدل خلال موسم دراما رمضان 2026، بعدما قدم رؤية إنسانية واقعية لما يعيشه سكان القطاع تحت وطأة الحرب، وهو ما دفع الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية إلى شن هجوم واسع على العمل واعتباره تهديدًا مباشرًا لروايتها.
ومع انطلاق عرضه في موسم رمضان 2026، تصدر المسلسل المشهد الإعلامي في المنطقة، إذ قدم معالجة درامية توثيقية مستوحاة من الواقع الصعب الذي يعيشه قطاع غزة منذ التصعيد الإسرائيلي الذي اندلع في 7 أكتوبر 2023، مقدماً صورة إنسانية مؤثرة للحياة داخل القطاع المحاصر.
قصة إنسانية وسط أهوال الحرب
المسلسل من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ومن إخراج بيتر ميمي، ونجح منذ حلقاته الأولى في جذب ملايين المشاهدين، ليتحول سريعًا إلى محور جدل واسع، خاصة بعد أن اعتبرته وسائل إعلام إسرائيلية “سلاحًا ناعمًا” يستهدف التأثير في الرأي العام العالمي وإعادة طرح الرواية الفلسطينية على نطاق واسع.
ويتكون العمل من 15 حلقة، وينتمي إلى فئة الدراما الحربية ذات الطابع التوثيقي والإثارة السياسية، حيث بدأ عرضه في فبراير 2026 عبر قنوات DMC والحياة، إلى جانب منصة Watch It الرقمية، وقد كتب السيناريو كل من عمار صبري ومحمد هشام عبية، بينما تدور أحداثه حول مصائر متشابكة لشخصيات تعيش أهوال الحرب.
وتتابع الأحداث رحلة “ناصر” الذي يجسده إياد نصار، وهو شاب فلسطيني يفقد عائلته في قصف مفاجئ ويسعى بكل ما يملك لإنقاذ ابن شقيقه “يونس”، بينما تتقاطع قصته مع “سلمى” الطبيبة المصرية التي تؤدي دورها منة شلبي، والتي تقرر ترك حياتها المستقرة والسفر إلى غزة ضمن قوافل الإغاثة لعلاج الجرحى وسط ظروف إنسانية قاسية.
وابتعد المسلسل عن الطرح الخطابي التقليدي، متجهاً إلى تصوير التفاصيل اليومية لحياة المدنيين في ظل الحصار، مثل محاولات الأهالي إيجاد بدائل للوقود أو تدبير أبسط الاحتياجات الطبية، وهو ما منح العمل طابعًا واقعيًا شديد التأثير. كما اعتمد المخرج بيتر ميمي على تقنيات صوتية وبصرية مكثفة عززت من إحساس المشاهد بواقع الحرب، من خلال أصوات الطائرات المسيرة والانفجارات، إلى جانب استخدام أغنية التراث “ياما مويل الهوى” بصوت ناي البرغوثي وأمير عيد في الشارة الموسيقية للعمل.
وإلى جانب الخطوط الرئيسية، حظيت شخصية “سمير” سائق الشاحنة المصرية التي قدمها عصام السقا باهتمام كبير من الجمهور، إذ يجسد شخصية سائق ينقل المساعدات عبر معبر رفح ويخاطر بحياته لإيصال أجهزة طبية لمستشفى ميداني في شمال غزة، قبل أن يجد نفسه في موقف إنساني معقد عندما يخفي فتاة مطلوبة داخل شاحنته لحمايتها من الاعتقال.
وقد لاقت هذه الشخصية تفاعلًا واسعًا من الجمهور الفلسطيني، حيث رأى كثيرون أنها تعكس روح التضامن الشعبي المصري مع غزة. كما لفت العمل الأنظار إلى جيل الشباب داخل القطاع من خلال شخصيتي “مجد” الذي جسده آدم بكري و”كارما” التي أدتها تارا عبود، مسلطًا الضوء على صراعهم من أجل التمسك بالأمل رغم الدمار.
في المقابل، أثار المسلسل ردود فعل غاضبة داخل إسرائيل، حيث هاجمت المتحدثة باسم جيش الاحتلال إيلا واوية العمل متهمة إياه بتزييف الحقائق، كما نشرت صحيفتا هآرتس ويديعوت أحرونوت تقارير اعتبرت المسلسل أداة دعائية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
وردًا على هذه الانتقادات، أكد المخرج بيتر ميمي أن مشاهد القصف واستهداف المستشفيات الواردة في المسلسل مستندة إلى مقاطع فيديو حقيقية موثقة، فيما وصف إياد نصار العمل بأنه “وثيقة إنسانية” تعكس واقعًا لا يمكن إنكاره، بينما شدد الكاتب محمد هشام عبية على أن المسلسل يركز في جوهره على المعاناة الإنسانية للمدنيين.




ولم يقتصر صدى المسلسل على المنطقة العربية، إذ حظي بتغطية واسعة في وسائل إعلام دولية، من بينها صحيفة L’Orient-Le Jour الفرنسية التي وصفته بأنه عمل درامي يقدم سردية إنسانية مؤثرة عن الأرض والثمن الذي يدفعه سكانها، بينما سلطت شبكة Euronews الضوء على قدرته في نقل قصص الحب والخسارة والصمود الإنساني بعيدًا عن لغة الأخبار الجافة.
وفي النهاية، لم يعد “صحاب الأرض” مجرد عمل درامي ناجح، بل تحول إلى نموذج واضح لقوة الفن في توثيق الحقيقة وكسر احتكار السرديات السياسية، مؤكدًا أن الدراما قادرة على لعب دور محوري في الدفاع عن الذاكرة الإنسانية وإيصال صوت الضحايا إلى العالم.

