خيوط وإبر تصنع التعافي.. دراسة تكشف فوائد الحياكة للصحة النفسية
ارتبطت صورة الجدة التي تجلس بهدوء لحياكة الصوف أو التريكو بذكريات دافئة ومشهد تقليدي مألوف، إلا أن العلم الحديث بدأ ينظر إلى هذه الهواية البسيطة بمنظور مختلف تمامًا، فقد كشفت دراسات حديثة أن الحياكة لا تقتصر على صناعة الملابس الشتوية، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة علاجية فعالة تساعد في تحسين الصحة النفسية والتخلص من عدد من العادات الضارة والسلوكيات الإدمانية، بدءًا من قضم الأظافر والتصفح المفرط للهواتف، وصولًا إلى التدخين وحتى إدمان المخدرات.
تأثير مهدئ على الدماغ والجهاز العصبي
أشارت تقارير علمية إلى أن ممارسة الحياكة والأعمال اليدوية يمكن أن تساهم بشكل ملحوظ في تحسين الحالة النفسية والمزاجية.
ووفقًا لما نشرته تقارير إعلامية علمية، فإن السر وراء هذا التأثير يكمن في الحركات الإيقاعية المتكررة التي تتطلب استخدام اليدين معًا أثناء الحياكة.
هذه الحركات تعمل على تحفيز جانبي الدماغ في الوقت نفسه، كما تساعد في تنشيط الجهاز العصبي السمبتاوي، وهو المسؤول عن تهدئة الجسم وإعادة التوازن بعد فترات التوتر والضغط النفسي.
وتشير بعض الاختبارات الأولية باستخدام تخطيط الدماغ إلى أن الحياكة قد تقلل من نشاط المناطق الدماغية المرتبطة بالاستجابة للتوتر والقلق.
واللافت أن تحقيق هذا التأثير لا يتطلب مهارة احترافية في الحياكة؛ إذ يكفي الاستمرار في حركة اليدين بشكل متكرر ومنتظم للحصول على الفوائد النفسية المهدئة.
وسيلة فعالة لاستبدال العادات الضارة
تُعد الحياكة مثالًا واضحًا لما يعرف في علم النفس بـ"العلاج باستبدال العادات"، حيث يتم استبدال السلوكيات السلبية بنشاط آخر صحي ومفيد، فبدلًا من اللجوء إلى عادات مدمرة، يجد الشخص نفسه منشغلًا بنشاط هادئ ومنتج يشغل اليدين والعقل في الوقت نفسه.
وفي دراسة أجريت على مجموعة من الشابات اللواتي يعانين من اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية والشره المرضي، أفادت نحو 75% منهن بأن ممارسة الحياكة ساعدتهن بشكل ملحوظ في تخفيف القلق المرتبط بتناول الطعام.
كما ساعدت هذه الهواية بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الوسواس القهري على الحد من سلوكيات مؤلمة مثل تقشير الجلد أو قضم الأظافر حتى النزف، وذلك ببساطة عبر إبقاء أيديهم مشغولة في نشاط منتج ومهدئ.
أداة مساعدة في مواجهة الإدمان
لم تتوقف فوائد الحياكة عند تحسين الحالة النفسية أو التخلص من العادات اليومية السيئة، بل امتدت لتشمل المساعدة في مواجهة الإدمان، فقد أظهرت بعض الدراسات أن هذه الهواية يمكن أن تساعد المدمنين في التعامل مع الرغبة الشديدة في العودة إلى المواد الإدمانية، وهي الحالة المعروفة طبيًا باسم "Craving".
وفي عدد من مراكز علاج الإدمان من الكحول والمخدرات، أصبحت الحياكة جزءًا من الأنشطة العلاجية التي تساعد المرضى على تجاوز فترات التوتر وأعراض الانسحاب.
إذ توفر هذه الهواية وسيلة عملية لإشغال العقل واليدين في نشاط هادئ يقلل من التفكير في العودة إلى الإدمان.
وقد وصفت إحدى المتعافيات هذه التجربة بقولها إن الحياكة "تبقيني هنا عندما أرغب في الهروب"، في إشارة إلى قدرتها على تثبيت الانتباه وتخفيف الضغوط النفسية خلال رحلة التعافي.
هواية بسيطة بفوائد نفسية عميقة
في ظل الضغوط اليومية المتزايدة، تبدو الحياكة مثالًا بسيطًا على أن بعض الحلول الفعالة قد تكون في متناول اليد، فهذه الهواية الهادئة لا توفر فقط شعورًا بالإنجاز والإبداع، بل يمكن أن تتحول أيضًا إلى وسيلة طبيعية لدعم الصحة النفسية والتخلص من العادات الضارة، مما يجعلها نشاطًا مفيدًا يمكن ممارسته في أي عمر.
