أحمد عمارة: الصيام يعيد الإنسان لوعيه الحقيقي.. ويجعله بعيدًا عن شهواته (حوار)

وشوشة

يعرف أحمد عمارة استشاري الصحة النفسية، بأسلوبه الهادئ وكلماته التي تمس القلب قبل العقل، حيث استطاع أن يلفت انتباه الكثيرين بطريقته البسيطة في الحديث واحترامه الواضح لكل من يتحاور معهم. فحضوره يتسم بالذوق والهدوء، كما أن طريقته في شرح الأفكار تمنح المستمع شعورًا بالراحة والطمأنينة، وكأن كلماته تفتح بابًا جديدًا للتأمل في النفس والحياة.


ويحرص أحمد عمارة في حديثه على الربط بين مفاهيم الصحة النفسية والبعد الروحي، مستشهدًا في كثير من الأحيان بآيات قرآنية ومعانٍ دينية تدعو إلى السكينة والإيمان والتوازن الداخلي، ما يجعل حديثه قريبًا من قلوب الكثيرين الباحثين عن الطمأنينة وسط ضغوط الحياة كما يحرص دائمًا على أن يكون حديثه بسيطًا وواضحًا يصل إلى كل الفئات، ويقدم نصائح تحمل قدرًا كبيرًا من الحكمة والإنسانية، الأمر الذي جعل كثيرين يرون فيه مصدرًا للإلهام والدعم النفسي في أوقات التوتر والقلق.


وفي هذا الحوار مع وشوشة، يتحدث أحمد عمارة عن رؤيته للسلام النفسي، وكيف يمكن للإنسان أن يوازن بين روحه وعقله إلى جانب رسائل عدة يوجهها لكل من يسعى إلى حياة أكثر هدوءًا ووعيًا.

في البداية كيف يسهم الصيام في شهر رمضان في رفع وعي الإنسان ومساعدته على التحرر من العادات والسلوكيات السلبية؟
 من المعروف أن أعلى الشهوات عند الإنسان هي شهوة البقاء وحب الحياة، والتي تظهر في شهوة الأكل والشرب، وهي أعلى بكثير من شهوة الجنس التي تأتي في المرحلة الثانية، لذا عندما يدربنا الصيام على عدم الانجراف وراء أعلى شهوتين وأن أتحكم فيهما طوال اليوم مهما كانت رغبة الجوع عالية أو شدة العطش مستمرة فإن هذا وعلى مدى شهر كامل يجعل الإنسان يعود إلى سيطرته على حياته وإلى الوعي الأصلي الذي هو وعي الاستخلاف في الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة) أي أني أكون قائد وليس تابع، لذا عندما يحدث ذلك شهر كامل كل عام فهو يكون كالبوصلة التي تعيد الإنسان دوما للطريق الصحيح كي لا يضيع ويمر عليه العمر غارقا في الشهوات وهو غير منتبه

دائما ما تتحدثون عن طاقة المشاعر، كيف يمكن استثمار الأجواء الروحانية لشهر رمضان في تنقية القلوب من مشاعر الغضب والحزن؟

 الشخص الذي يعيش دائما ضعيفا أو في وضعية الهروب لأنه ليس قوي ذاتيا ولا متحكما في انفعالاته، يلجأ دون وعي منه إلى تخزين المشاعر بدلا من مواجهتها، فالهروب يؤدي لتراكم المشاعر في الداخل، لكن مع الصيام، والتدرب على التحكم في الشهوات بصورة كبيرة، يتدرب الشخص يوميا على أن يكون أقوى وأن يواجه جوعه وعطشه فيبدأ الجسم في التخلص في بداية الأيام الأولى للصيام من الانفعالات المكبوتة، لذا من الطبيعي أن يزيد الصداع والإرهاق الجسدي أو يزدي الغضب الشديد في بداية الأيام.

 كل هذه أعراض تفريغ الطاقات المكتومة، بعدها ترتفع الكيتونات في الجسد ويزداد معدل الدوبامين والسيراتونين فيتحسن مزاج الشخص ويصبح أكثر قدرة على المواجهة والتفريغ لهذه المشاعر، لكن لو هرب الشخص من الجوع والعطش بالنوم أو المسلسلات فإنه في الغالب لن يستفيد الاستفادة الكبرى لأنه كان في وعي هروب وليس في وعي تحكم وقوة وقيادة.

هل يمثل التقرب من الله خلال شهر رمضان نقطة انطلاق حقيقية نحو الشفاء النفسي؟
 الشفاء النفسي مرتبط ارتباطا وثيقا بإدراكنا لكينونتنا الحقيقية، وهذه الكينونة هي أننا لسنا خالدين في الأرض، وإنما يعتبر وجودنا في الأرض فترة بسيطة في عمرنا الحقيقي الذي يستمر بعد انتهاء هذه الفترة، كلما كان الشخص مدركا لهذا المعنى كلما كان أكثر سلاما وسكينة وعدم تعلق بالماديات ولا بالأحداث.

وأكثر ما يوصل الإنسان لهذه الحالة هو قربه من الله سبحانه، لذا يعتبر شهر رمضان بأجوائه الروحانية العالية فرصة لكل إنسان أغرته شهواته وملذاته لأن ينغمس أكثر في ماديات الحياة دون تنمية الجانب الروحاني داخله، أن يعود بقوة نفسية عالية، وتمكن ذاتي يتغلب على أعلى الشهوات عنده، لذا يكون القرب أكثر سهولة والتحكم في الوقت والفكر والطاقة أكبر وأيسر.


يشعر كثيرون بحالة من السلام الداخلي خلال رمضان، ثم يفقدونها بعد انتهائه، كيف يمكن الحفاظ على هذه الحالة الروحانية طوال العام؟
 الحالة الروحانية ليست مرتبطة برمضان، وإنما مرتبطة بكثرة الذين يتحكمون في طاقاتهم وشهواتهم في رمضان، والإمساك عن الأكل والشرب أيضا يجعل الجسد لديه الوقت الكافي للتعامل مع أنواع الغذاء المختلفة التي أكلها الشخص ويستطيع طوال وقت الصيام أن يعيد بناء النفس والجسد مرة أخرى للوضع الطبيعي الفطري.

لذا إن وجد الشخص نفسه في حالة فقدان للحالة الروحانية بإمكانه أن يقوم بالصيام بصورة فردية خلال فترات في الأسبوع، ولو أشرك معه بعض أصدقائه سيستطيع بسهولة إيجاد أجواء بسيطة تشبه أجواء رمضان في روحانيتها وطاقاتها التي تسرع من عملية التشافي النفسي قبل الجسدي.

ما الرسالة التي تودون توجيهها لكل شخص يعاني من الإرهاق النفسي وينتظر من شهر رمضان أن يغيّر حياته؟
 الإرهاق النفسي يحدث بسبب الكتم والهروب وهي حالة يعتبر الفرد نفسه مسئولا مسئولية كاملة عنها، ولا يمكن أن تتغير هذه الحالة بظرف أو وقت، لا في رمضان ولا غير رمضان، لذا إن انتظر شخص ما أن يغيره رمضان دون أن يغير هو ما في نفسه من تراكم وأفكار سلبية وقناعات، سيكون في الغالب كما هو بعد رمضان.

وسيصبح رمضان عبارة عن مخدر بسيط يختفي أثره فورا بانتهائه، لذا من المهم أن ينتهز الشخص فرصة رمضان في أن يقوم بعملية التزكية للنفس بمراجعة أفكاره وطريقة تعامله مع مشاعره، فالوقت الذي يقضيه في الصيام يستطيع بسهولة الاستفادة منه في القراءة حول النفس وفهمها والمشاعر وإدارتها وغيرها من مختلف جوانب التطوير الذاتي، بهذه الطريقة يستطيع أن يكون كل رمضان نقلة كبيرة له، تزداد وتكبر كل فترة.


تتحدثون كثيرًا عن مفهوم الوعي، كيف يمكن للإنسان أن يدرك أنه يعيش بوعي حقيقي وليس مجرد ردود أفعال؟
 ببساطة يعتبر الإنسان الواعي هو الذي يستمر في الانضباط والتطور رغم مشاعره والظروف من حوله، فإذا كانت الأحداث من حولك لم تستطع أن تثنيك عن هدفك ولا عن التقدم في خطوات واضحة نحو ما تريد فأنت إنسان واعي، أما إن سلمت مفاتيح سلوكك للأحداث وأصبحت رد فعل فستكون دائما في نفس النقطة أو ستنحدر شهرا بعد شهر، لذا يعتبر مؤشر تطورك للأعلى هو المعيار الذي يبين لك إن كنت فعلا تسير بوعي أم أنت موهوم بالوعي

هل يمتلك كل إنسان القدرة على تغيير واقعه، أم أن لقدرة العقل والطاقة حدودًا لا يمكن تجاوزها؟
هذا يعتمد على معنى كلمة تغيير الواقع، فكل إنسان مهما كانت الظروف من حوله وأينما يتواجد يستطيع تغيير واقعه، لكن نسبة هذه التغيير تعتمد على صدقه وذكائه ومهاراته في كيفية عزل تأثير الظروف على قراراته وخطواته، وكلما كان الإنسان أكثر تحفيزا، وصمودا، وانضباطا كلما كان هذا التغيير أكبر وأعلى وهذا ما يميز شخص عن الآخر.

في رأيكم، ما أكثر الأفكار المغلوطة الشائعة حول قانون الجذب؟
هناك الكثير من الأفكار المغلوطة عن قانون الجذب من ضمنها أن الناس تظن أنه بمجرد التفكير في الشيء الإيجابي سوف يجعله يحدث لك وهذا خطأ فادح، فالتفكير هو وسيلة للإلهامات، إن جاءتك الإلهامات ولم تقم بالسعي الحقيقي فيها فلن يحدث لك شيء، وهناك أيضا من يظن أن المشاعر الحزينة أو السيئة هي سبب الجذب السيء فيقوم فورا بتجاهلها أو الهروب منها وهذا أيضا خطأ فادح، لأن الهروب هو وعي ضعف، وأنت تجذب ما أنت عليه الآن وليس ما تريد، لذا عادي تحزن وتخاف وتعيش اللحظة، بل إنني أنصح الناس أن يحسنوا الإحساس بالحزن، لكن لابد أن يضعوا له فترة محددة وأن لا يستمروا في حالة الحزن لأن الاستمرار الشديد والمبالغ فيه هو الخطأ وليس مجرد المشاعر السلبية.


هل التسامح شرط أساسي للشفاء النفسي أم خيار شخصي يختلف من فرد لآخر؟
 نعم التسامح شرط أساسي للتشافي لأن التسامح في عمقه هو أن أسمح للمشاعر السلبية أن تغادرني إلى الخارج، فإن لم أسمح لهذه المشاعر والطاقات المكبوتة بالخروج فأنا أبقي السبب الذي أدى للمرض، وهذا يفسر لماذا بعض الأمراض ليس لها علاج حتى الآن رغم التطور العلمي والطبي الذي نشهده في العالم، فلو أن الشخص استمر في الكتم والتخزين لهذه الطاقات السيئة دون السماح لها بالخروج بالتسامح والعفو فهو في هذه الحالة يغذي المرض وليس يغذي الشفاء، أما بالتسامح والرقي يسمح للطاقات الإيجابية العالية بالتواجد وبهذا يغذي حالة التشافي والسلام والحياة

هل الفشل طاقة سلبية تعيق الإنسان أم رسالة تحمل بداخلها فرصة للفهم والتغيير؟
 الفشل هو مرحلة من أهم مراحل النجاح، فكل إنسان سيقوم بأي شيء أول مرة من الطبيعي أن يفشل فيه، وبدراسته لهذا الفشل والتعلم منه يستطيع أن يصل لنجاحات عظمى، المشكلة في من يعتبر أن هذا الفشل هو النهاية، أو من يخاف من الفشل لكي لا يحكم عليه الآخرين بأنه سيء أو يفقد قيمته في نظر الناس.

لذا طبعا الفشل هو فرصة لمعرفة ما إذا كنت تسير في الطريق الصحيح أم أنه من المهم أن تعيد حساباتك وخطواتك وأن لا تكرر ما فعلته من قبل وأدى لهذا الفشل، لو تعلم الإنسان من كل فشل سيجد نفسه بصورة طبيعية يشكر الله على كل فشل وقع فيه لأنه سيكون سبب لكل تطور وصل إليه

كيف يمكن التفريق بين الطموح الصحي وضغوط المقارنة بالآخرين؟
 الحالة النفسية تكشف ذلك بصورة واضحة فهي ترمومتر لمعرفة هل هذا الطموح حقيقي أم هو قناع لكي تكون مقبولا اجتماعيا، فالذي لديه طموح كاذب يكون متوترا، متعجلا، دائما يضع نفسه في مقارنات مع غيره، ويضع أهدافا وهمية اكتسبها من مراقبته للناس ورغبته في أن يكون مثلهم أو أعلى منهم، لذا غالبا ما يصاب بالإحباط بسهولة.

أما من لديه طموح حقيقي يكون دائما شغوفا، لديه قيما عليا واضحة، يسعى لتحقيقها بخطوات ثابتة، ويستمتع مع كل خطوة يخطوها وتقربه من حلمه وهدفه، بل ويزيده الفشل البسيط في الطريق حماسة وحافزية للنجاح أكثر ولا يهمه كيف يراه الناس ولا كيف يحققون أهدافهم وإنما يكون لديه مسار خاص به وبصمة مختلفة تميزه عن غير بانفراد وتميز

 وآخيرآ.. لو طلب منكم توجيه رسالة واحدة لكل شخص يشعر بالتعب أو الحيرة، ماذا تقولون له؟
 التعب حالة نفسية سيئة، غالبا ما تنتج عن تفسيراتك والمعاني التي تضعها على الحياة، ولا علاقة له نهائيا بأي مجهود، فعلميا يعتبر أصعب عمل يقوم به أي إنسان هو تسلق الجبال، لما فيه من جهد كبير وضعف في الأكسجين وحمل حقائب ثقيلة بها كل ماتحتاجه من أكل وشرب ودواء وأدوات مهمة للحياة، ورغم أنه أكثر عمل مجهد إلا أن هناك الكثير من الناس حول العالم يدفعون آلاف الدولارات من أجل الاستمتاع بهذه التجربة.

 فهو قد استمتع رغم الجهد البدني الذي قام به، ولو أنه أعاد تفسير الموقف بصورة سيئة ومعاني متعبة لشعر بالتعب على الفور، لذا يستطيع الإنسان أن يستمتع بأي جهد إن كانت القيمة والغاية العليا واضحة في ذهنة، أما عن الحيرة فمعناها أن الشخص لا يعرف بدقة ما الذي يريده في هذه الحياة ولماذا يعيش؟ عندها لابد له أن يقرأ عن الرسالة والغاية وكيفية اكتشاف القيم العليا المحركة، وإن استطاع تحديدها بدقة ستختفي الحيرة من حياته نهائيا.

 

 

 

تم نسخ الرابط