الاستثنائي خالد النبوي.. بطل الفن الراقي وصاحب التكريمين في مهرجان القاهرة السينمائي
وسط أضواء السينما وضجيج المهرجانات، يبقى هناك لحظات لا تُقاس بعدد الكاميرات، بل بعمق التأثير.
وفي الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي،
جاءت واحدة من تلك اللحظات النادرة، لحظة يتوّج فيها خالد النبوي مرتين،
مرّة باسم فاتن حمامة، ومرّة بالـ هرم الذهبي التقديري.
تكريمان لا يفصل بينهما إلا الزمن، لكن يجمعهما معنى واحد: الاعتراف بفنان حقيقي… استثنائي.
بين “المهاجر” و“The Citizen”… جناحان لطائر مصري حلّق بعيدا ً
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على عرضه الأول، يعود فيلم “المهاجر” للمخرج الكبير الراحل يوسف شاهين إلى شاشة المهرجان ضمن قسم “كلاسيكيات القاهرة”،
في عرض خاص يوم السبت 16 نوفمبر، بحضور خالد النبوي وعدد من صناع السينما والنجوم،
في أجواء تحتفي بالفيلم الذي عُرض لأول مرة عام 1994، وشكّل نقلة فارقة في مسيرة النبوي الفنية.
“المهاجر” لم يكن مجرد فيلم، بل كان بداية مرحلة جديدة لخالد النبوي مع يوسف شاهين، الذي قدّمه فيه كما قدّم من قبل عمر الشريف قبل أربعة عقود.
فيه ظهر خالد بوجهه الحقيقي: ممثل لا يؤدي فقط، بل يعيش كل تفصيلة.

أما الفيلم الثاني، فهو “The Citizen”، العمل الأمريكي الذي مثّل بوابته نحو السينما العالمية، وسيُعرض ضمن فعاليات المهرجان في سينما الهناجر يوم الخميس 21 نوفمبر.
نال الفيلم إشادات نقدية واسعة في عدد من المهرجانات الدولية، وحصد جائزتي الجمهور وأفضل فريق تمثيل في مهرجان بوسطن السينمائي، ليؤكد مرة أخرى أن خالد النبوي استطاع أن يوازن بين هويته المصرية الأصيلة وحضوره الإنساني العالمي
بعد مرور ثلاثين عاماً، يعود فيلم “المهاجر” إلى شاشة المهرجان، العمل الذي شكّل لحظة تحوّل في مسيرة النبوي، حين منحه المخرج الكبير يوسف شاهين بطولة الفيلم عام 1994، في تجربة اعتبرها النقاد وقتها بداية النضج الفني الحقيقي له.
في “المهاجر”، لم يكن خالد يؤدي دوراً فقط، بل كان يعيش رحلة اكتشاف ذاته كممثل وإنسان، يُعيد تعريف معنى الحلم، ومعنى الصدق في التمثيل.
ومن “المهاجر” إلى “The Citizen” الفيلم الأمريكي الذي حمله إلى العالمية،
ليثبت أن الموهبة الحقيقية لا تعرف حدوداً جغرافية، وأن الفن الصادق قادر أن يعبّر عن الإنسان أينما كان.
فيلمان من عالمين مختلفين، لكن في الحقيقة هما وجهان لروح واحدة:
روح خالد النبوي، التي تمزج بين الشرق والغرب، بين الأصالة والانفتاح، بين الحلم والرسالة.

تكريم خالد النبوي في مهرجان القاهرة ليس مفاجأة، بل هو تتويج منطقي لمسيرة تُدرَّس، فمنذ ظهوره الأول وحتى اليوم، لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدواراً،
بل كان دائمًا باحثاً عن معنى الفن الحقيقي.
عمل خالد النبوي مع كبار المخرجين في تاريخ السينما المصرية؛ من صلاح أبو سيف إلى محمد عبد العزيز وصولاً إلى يوسف شاهين، غير أن بصمته ظلّت دائماً مستقلة،
لا يشبه أحداً، ولا يتأثر إلا بضميره الفني الذي يوجّهه دائماً نحو الأصعب والأصدق.
لم يكن خالد النبوي “ابن الصدفة”، بل ابن الاختيار، والوعي، والاجتهاد.
فكل خطوة في مسيرته محسوبة، وكل عمل يقدّمه يحمل فكراً ورسالة واحتراماً لعقل المشاهد قبل عينيه.
إنه الفنان الذي يختار أعماله كما يختار كلماته… بعناية، وبمسؤولية، وبإيمان بالفن كقيمة.
فنان عالمي… بروح مصرية خالصة
يُقال إن العالمية حلم الفنانين، لكن بالنسبة إلى خالد النبوي، كانت العالمية نتيجة طبيعية للمحلية الصادقة. فهو لم يسعَ وراءها، بل جاءت إليه حين ظلّ وفياً لهويته،
يحمل ملامح مصر في ملامحه، وصوتها في حضوره، وروحها في أدائه.
نجح في أن يُثبت أن الهوية ليست حاجزاً، بل جسرٌ يعبر به الفن الحقيقي إلى العالم. في كل شخصية يؤديها، ترى فيه ابن البلد والمثقف والإنسان في آنٍ واحد.
ليس مجرد ممثل بارع، بل فكرة تمشي على قدمين يقرأ، ويتأمل، ويعمل على تطوير نفسه كل يوم كما لو أنه ما زال في بداياته، وذلك سرّ بقائه بنفس الحماس والشغف والنقاء حتى اليوم.
لم يقس خالد النبوي نجاحه بعدد الأفلام أو الجوائز، بل بالقيمة التي يتركها في كل عمل. هو من أولئك الفنانين الذين يكفي أن يُذكر اسمهم لتعلم أنك على موعد مع عمل راقٍ، يحمل فكراً ورسالة وذوقاً رفيعاً.
فنان لا يلهث وراء الأضواء، بل تسعى الأضواء نحوه كلما قدّم عملاً صادقًا.
لأنه ببساطة واحد من القلائل الذين استطاعوا أن يحافظوا على صورتهم
دون أن يفرّطوا في أنفسهم أو في أحلامهم.
استثنائي في كل زمن ليس من قبيل المصادفة أن يتكرّم خالد النبوي مرتين في دورة واحدة من المهرجان؛ تكريماً باسم فاتن حمامة، رمز الرقي والأنوثة والموهبة،
وتكريمًا آخر باسم الهرم الذهبي، رمز العظمة والخلود.
كأن المهرجان أراد أن يقول لنا: في زمن يتغيّر سريعاً ، ما زال هناك فنّانون ثابتون على مبادئهم.
خالد النبوي ليس مجرد ممثل كبير، بل ضمير فني وإنساني، لم يساوم على موهبته،
ولم يُغره بريق الشهرة السهلة. عمل بجد، وسعى بصمت، وبقي على العهد بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
خالد النبوي… المهاجر إلى قلوب الناس
من “المهاجر” إلى “المواطن”، من القاهرة إلى هوليوود، من الشاشة إلى القلوب…
ظل خالد النبوي المهاجر الوحيد الذي لم يغادر جذوره أبدًا.
يتوّجه المهرجان اليوم بتكريمين، لكن الحقيقة إن جمهوره من سنين مكلّمه بأهم تكريم: الاحترام.
خالد النبوي… اسم يليق بالذهب، وبالفن الذي يظل راقيًا مهما تغيّر الزمن.