صنع الله إبراهيم.. ما سر الرقم 88 الذي ظل يلاحقه حتى النهاية؟

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم

وكأن الرقم ٨٨ كان خيطًا خفيًا يربط بين ميلاد صنع الله إبراهيم ورحيله. أنجبه والده وقد بلغ من الكبر عتيًّا، إذ كان في الستين من عمره، وحين حان وقت اختيار اسم مولوده، لجأ إلى الاستخارة، وفتح المصحف بصورة عشوائية، لتقع عيناه على الآية ٨٨ من سورة النمل:
“وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۖ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ”.

ومن هنا جاء الاسم… “صنع الله”، هدية سماوية تحمل معنى الإتقان والدقة. وبعد ٨٨ عامًا كاملة، يرحل صاحب الاسم الذي جاءه من السماء، تاركًا إرثًا أدبيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأدب العربي.

رحيل صنع الله إبراهيم… ضمير الرواية العربية يطوي صفحته الأخيرة

غاب عن عالمنا اليوم الأديب الكبير صنع الله إبراهيم، أحد أبرز أعمدة الرواية العربية المعاصرة، بعد صراع قصير مع التهاب رئوي نُقل على أثره إلى أحد مستشفيات القاهرة. برحيله، يفقد الأدب العربي صوتًا نادرًا ظلّ وفيًّا لقلمه وموقفه حتى آخر لحظة.

 

صونعوا… الحكاية التي بدأت باسم من السماء

في البيت، كان دلعه “صونعوا” – مثلما نقول “عبدوا” لعبد الله – أما في المدرسة، فلم يكن الاسم وحده ما يثير التعليقات. كان جسده النحيل سببًا لسخرية بعض المدرسين، الذين اعتاد أحدهم أن يسأله كل صباح: “مالك رفيع كده؟ فطرت إيه النهارده؟”
تلك الملامح المبكرة شكلت جزءًا من شخصيته، لكنها لم تكسر صلابته أو تحد من شغفه بالقراءة والكتابة.


طفولة على ضفاف الكتب

وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، في بيت محب للثقافة، حيث كان والده يزوّده بالكتب ويحثه على الاطلاع، لتتشكل ملامح شخصيته الأدبية مبكرًا. ورغم التحاقه بكلية الحقوق، جذبه العمل السياسي أكثر من القانون، فانتمى إلى “حدتو” – المنظمة الشيوعية المصرية – واعتُقل عام 1959 ليقضي خمس سنوات في السجن، تجربة ستترك أثرًا بالغًا في كتاباته.

من الصحافة إلى موسكو… ثم إلى الرواية

بعد خروجه من السجن، عمل بالصحافة في وكالة أنباء الشرق الأوسط، ثم لدى وكالة الأنباء الألمانية في برلين الشرقية، قبل أن ينتقل إلى موسكو لدراسة التصوير السينمائي. عاد إلى القاهرة عام 1974، وفي العام التالي قرر التفرغ التام للكتابة، واضعًا أسلوبًا خاصًا يمزج بين التوثيق التاريخي والسرد الروائي.

أدب يكتب شهادة العصر

تميّز صنع الله إبراهيم بجرأته في تناول القضايا السياسية والاجتماعية، وقدرته على تقديم نصوص تُقرأ كوثائق بقدر ما تُقرأ كروايات. من أشهر أعماله: شرف، اللجنة، ذات، نجمة أغسطس، بيروت بيروت، وردة، العمامة والقبعة، وأمريكانلي. دخلت بعض أعماله قائمة أفضل مائة رواية عربية.

الجائزة التي رفضها ومواقفه الثابتة

أثار الجدل عام 2003 برفضه استلام “جائزة الرواية العربية” من المجلس الأعلى للثقافة اعتراضًا على سياسات الدولة، لكنه حصل لاحقًا على جوائز عربية ودولية، منها “جائزة ابن رشد للفكر الحر” عام 2004، و”جائزة كفافيس للأدب” عام 2017.


وكأن الرقم ٨٨ كان موعدًا مكتوبًا في كتاب حياته منذ اللحظة الأولى…

وُلد صنع الله إبراهيم، فاستقر اسمه باستخارة والده على كلمة “صنع الله” الواردة في الآية ٨٨ من سورة النمل. بعد ٨٨ عامًا كاملة، وفي مشهد يبدو وكأنه دائرة قدر اكتملت، يرحل عن الدنيا.

وكأن القدر أعاد كتابة الرقم نفسه مرتين… لكن الأرقام لا تختزل الحكاية؛ ما يبقى حقًا هو صوته الذي لم يساوم، وكلماته التي بقيت لتقول ما عجز الآخرون عن قوله، وتشهد أن الكاتب الحقيقي لا يموت… بل تتحول كتبه إلى حياة أخرى.

رحل صنع الله إبراهيم، لكن كتبه ستظل حاضرة في مكتبات القراء وذاكرة الأدب العربي، كمرجع وشاهد على زمن كتبه بصدق وجرأة.

السلام لروحك… وصفحاتك تواصل قول ما عجز الآخرون عن قوله.

 

تم نسخ الرابط