سباعية برامج اكتشاف المواهب | وهم ديمقراطية الاختيار.. وتخريج أسوأ ما فينا
قبل قراءة هذا المقال، أنصحك بمشاهدة هذا المقطع بتركيز شديد؛ لأن ما نناقشه هنا لا يتعلق فقط بمعايير اختيار لجان التحكيم، أو بكيفية تقييمها للمواهب، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تسهم هذه البرامج في تشكيل وعي المشاهدين، وتوجيه أحكامهم، بل والتأثير في الطريقة التي ينظرون بها إلى الآخرين؟
لأن من أعجب المفارقات أن تجد لجنة تحكيم تضم أسماء مثل رامي صبري والشامي. فالأول، رغم نجاحه الجماهيري، لم يؤسس مدرسة موسيقية واضحة أو هوية فنية مستقلة تجعله مرجعا لتقييم تجارب الآخرين. بل أن من أسباب بقائه على الساحة هو وجوده في مساحة قريبة من تجربة عمرو دياب كمقلد محترف!
أما الشامي، فما زال في بداية مشواره الفني، إذ لم يمض على ظهوره سوى نحو أربعة أعوام، انتقل خلالها من الراب إلى البوب، ولم تتضح بعد ملامح هويته الموسيقية النهائية. ومع ذلك، أصبح عضوا في لجنة يفترض أنها تمتلك الخبرة والرؤية الكافيتين للحكم على المواهب وتوجيهها.
لكن، كما يقولون، للأقدار شؤون!
بعيدا عن أسماء المحكمين وأهليتهم، هناك جانب آخر يستحق التوقف أمامه: فكرة أن الجمهور هو صاحب القرار النهائي، وأن التصويت يمنحه سلطة اختيار النجم. فهل هذه ديمقراطية حقيقية، أم مجرد صورة تسويقية تمنح المشاهد إحساسا بالمشاركة، بينما تظل أدوات التأثير في يد الجهة المنتجة؟
يجب أن نعترف بأن التصويت لا يبدأ من نقطة محايدة على الإطلاق؛ إذ يسبق لحظة الاختيار توجيه كامل للصورة التي يتلقاها الجمهور. هناك متسابق يحصل على مساحة أكبر للظهور، وآخر تُبنى حوله حكاية إنسانية مؤثرة، وثالث يقدم باعتباره الموهبة الاستثنائية. كما يسهم ترتيب المشاهد والمونتاج وردود فعل المحكمين في تشكيل انطباعات الجمهور وتوجيه تعاطفه.
ولذلك الجمهور يختار بالفعل، لكنه يختار من بين صور سبق للبرنامج أن رسمها له. فحق التصويت لا يعني بالضرورة امتلاك حق الاختيار المستقل، ما دامت الجهة المنتجة تتحكم في المادة المعروضة والطريقة التي تظهر بها كل موهبة.
ولا يتوقف الأمر عند حدود توجيه الاختيارات، بل يمتد إلى التأثير المحتمل في سلوك المشاهدين وطريقة تفكيرهم.
وفي هذا السياق، تستعرض مادة بحثية منشورة على موقع EBSCO بعنوان "Criticism of Reality Television" مجموعة من الانتقادات الموجهة إلى هذا النوع من البرامج، ومن بينها ما يطرحه بعض علماء النفس بشأن آثار التعرض المتكرر للسلوكيات السلبية التي تعرضها.
فحين تتحول الأنانية والقسوة والسخرية والعدوانية والصراعات الشخصية إلى عناصر جذابة تضمن المشاهدة والجدل، قد يصبح الجمهور أكثر اعتيادا عليها، وربما أكثر قابلية لتبني أنماط مشابهة. وتشير الانتقادات التي تستعرضها المادة إلى احتمال ارتباط هذا التأثير بزيادة السطحية والخداع والعدوانية، بل وامتداده إلى المجتمع، ليصبح أكثر قسوة وغضبا وانقساما.
وبالطبع، لا تقدم المادة دليلا تجريبيا قاطعا على أن مشاهدة هذه البرامج تؤدي حتما إلى تلك السلوكيات، لكنها تطرح مخاوف تستحق الانتباه، فماذا يحدث عندما تتحول هذه الأنماط إلى مادة ترفيهية معتادة؟ بل ويتعامل معها المشاهد باعتبارها سلوكا طبيعيا ومقبولا؟
وإذا عدنا إلى برامج اكتشاف المواهب، سنجد أن طريقة تقديم المتسابقين، والتعليقات التي يتلقونها، ومشاهد الإحراج والسخرية، كلها تسهم في تشكيل أحكام الجمهور.
فقد يتحول إنسان يحاول تقديم موهبته إلى مادة للضحك، ويصبح اختلافه في الأداء سببا للإهانة بدلا من أن يكون فرصة للتعرف إلى لون فني مختلف.
وفي المقابل، قد يقدم متسابق باعتباره النجم المنتظر، وذلك ليسب بسبب تفوقه الفني وحده، بل لأن البرنامج اختار أن يمنحه هذه الصورة.
ومع تكرار هذه المعادلة، قد يتعلم الجمهور أن النجومية ترتبط بالانفعال والانتشار وإثارة الجدل، أكثر من ارتباطها بالموهبة والتجربة والهوية الفنية.
فهل يختار الجمهور الفائز حقًا؟ بل يختار من يحدد له ما يراه؟ وكيف يراه؟ وبأي مشاعر يستقبله؟
فحين تصنع الجهة المنتجة الصورة وتتحكم في تفاصيلها، ثم تطلب من الجمهور الاختيار بين الصور التي قدمتها إليه، فإننا لا نكون أمام ديمقراطية كاملة، ولكن أمام مشاركة محكومة بقواعد وضعها طرف واحد.
ولذلك تصبح المسألة أكبر من اكتشاف موهبة أو صناعة نجم؛ فنحن أمام برامج لا تختبر المتسابقين وحدهم، بل تختبر ذائقة الجمهور أيضا، وتعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها الفن والآخرين.