سباعية برامج اكتشاف المواهب | ماذا نفعل إذا كانت الموهبة خارج الكتالوج؟!

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

قبل قراءة هذا المقال، يجب مشاهدة هذا المقطع بتركيز شديد؛ لأن ما سنناقشه هنا لا يتعلق فقط بمتسابق لم يلتفت إليه أعضاء لجنة التحكيم، وإنما بمشكلة أعمق تتعلق بمعايير اكتشاف الموهبة نفسها.
 

أمامنا رجل مصري يرتدي الجلباب والعمامة، ويقدم فنا ينتمي بوضوح إلى تراث بلاده، لا يحاول تقليد أحد، ولا يستعير شخصية فنية جاهزة، ولا يعتمد على استعراض صوتي مبالغ فيه. يقف أمام اللجنة بهويته كما هي، ويقدم لونا غنائيا له جذوره وقواعده وتاريخه.


ومع ذلك، لم يلتفت إليه أحد من أعضاء اللجنة في تلك اللحظة، رغم أن بينهم أسماء تمتلك تاريخا طويلا في الغناء، مثل نجوى كرم وهاني شاكر وسميرة سعيد وهنا لا بد أن نسأل: كيف يمكن أن تمر موهبة لها هذا القدر من الخصوصية والخبرة دون أن تستوقف لجنة يفترض أن مهمتها الأساسية هي اكتشاف المواهب؟ وهل المشكلة في المتسابق، أم في المعايير التي تنظر بها اللجنة إلى ما يقدم أمامها؟


بعد مشاهدة عدد كبير من حلقات برامج اكتشاف المواهب، يمكن ملاحظة أن هناك أنماطا بعينها تحظى باهتمام أكبر من غيرها؛ فالأداء الاستعراضي، والصوت القادر على إبهار اللجنة في ثوان، والشخصية التي تستطيع صناعة حضور تلفزيوني لافت، كلها عناصر تتكرر في المشاهد التي تحصل على اهتمام واسع.
وفي المقابل، قد لا تحظى التجارب التي تعتمد على هوية موسيقية مختلفة، أو تنتمي إلى تراث محلي، أو تحتاج إلى قدر من المعرفة لفهم طبيعتها وتقدير قيمتها، بالاهتمام نفسه.


وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، بدلا من أن تبحث هذه البرامج عن تنوع المواهب، تصبح كأنها تبحث عن مواهب تشبه بعضها، وتناسب تصورا مسبقا لما ينبغي أن يكون عليه الفنان الناجح.


وما يعلمه الجميع أن الموسيقى لم تتطور يوما من خلال قالب واحد، ولم تكن النجومية حكرا على أصحاب الأصوات الاستعراضية أو الشخصيات القادرة على جذب الكاميرا فهناك فنانون صنعوا تأثيرهم من خلال الموال، وآخرون من الإنشاد الديني، وثالثون من الفلكلور والموسيقى الشعبية، وتجارب لا يمكن تقييمها بالمعايير نفسها التي نقيس بها أغنية البوب أو الأداء الغنائي المعاصر.


والمفاجأة أن الرجل الذي لم يلتفت إليه أعضاء اللجنة هو الفنان الشعبي والمنشد عبد الرحمن بلالة، الذي لم يكن وافدا جديدا على عالم الموسيقى، ولا شخصا اكتشف موهبته قبل دقائق من ظهوره على المسرح.


فالرجل بدأ مشواره الفني منذ طفولته عازفا لآلة الكمان في فرق الإنشاد الديني، ثم عمل خلف أسماء كبيرة في هذا المجال، من بينهم الشيخ محمد عمران، وممدوح عبد الجليل، وإبراهيم الإسكندراني. كما شارك بالعزف مع عدد من رموز الغناء الشعبي والموال والارتجال، مثل شفيق جلال ومحمد طه ويوسف شتا.


وفي عام 1979، بدأت حكايته مع الإنشاد الديني بصورة لم تكن مخططة؛ إذ غاب المنشد الذي كان من المفترض أن يحيي ليلة من ليالي مولد السيدة زينب، فطلبت منه الفرقة أن يحل محله، بعدما كان يعمل معها عازفا للكمان صعد إلى المسرح وأنشد ما يحفظه من الابتهالات والتواشيح، ونال استحسان الجمهور، لتبدأ من هناك مرحلة جديدة في مشواره الفني.


وبعد ذلك أصدر ألبومين للإنشاد الديني، واعتمد مطربا في الإذاعة المصرية عام 1982، ثم في التلفزيون عام 1983 وقدم شخصية المسحراتي لسنوات في الإذاعة والتلفزيون، وشارك في حفلات دار الأوبرا المصرية ومهرجانات الموسيقى العربية والقلعة، إلى جانب جولاته في محافظات مصر لإحياء الفلكلور والفن الشعبي.


أي أننا أمام فنان يمتلك خبرة تمتد لعقود، وعمل مع أسماء شكلت جزءا من تاريخ الغناء والإنشاد الشعبي في مصر، وقدم تجارب فنية على مسارح ومهرجانات مختلفة، فهل كان يحتاج بالفعل إلى أن تمنحه لجنة تحكيم شهادة بامتلاك الموهبة؟


والأهم أن تجربة عبد الرحمن بلالة لا تتوقف عند الإنشاد والموال التقليدي. فالرجل شارك أيضا في تجربة موسيقية مختلفة مع فرقة «تكسير شرقي»، التي تأسست بهدف إعادة تقديم جذور الموسيقى المصرية، ومزج عناصر من الموال والزار والفلكلور الشعبي بآلات وتكوينات موسيقية معاصرة.


وفي هذه التجربة، نجد الموال الشعبي إلى جوار الجيتار الكهربائي، وآلات الإيقاع الشعبية إلى جوار الباص جيتار والساكسفون والأكورديون. أي أننا أمام محاولة لإعادة قراءة التراث، ليس باعتباره شيئا محفوظا في المتاحف أو مناسبات الموالد فقط، وإنما مادة موسيقية حية يمكن تطويرها وإعادة تقديمها بأشكال مختلفة.
ولذلك أتعجب كثيرًا، فبينما لم تستوقف موهبته لجنة التحكيم في البرنامج، كان عبد الرحمن بلالة قد خاض بالفعل تجارب موسيقية تتجاوز مجرد الوقوف أمام الكاميرا وانتظار ضغطة زر من أحد المحكمين.


بل إن مشاركته في مثل هذه البرامج نفسها لم تكن بداية اكتشافه فنيا، فقد أوضح في تصريحات صحفية أن التجربة كانت فرصة للتعريف به على نطاق عربي أوسع، وأنه لم يكن يسعى إليها باعتبارها طريقه الوحيد إلى الفن.


وهذه نقطة تستحق التوقف أمامها؛ لأننا كثيرا ما نتعامل مع برامج اكتشاف المواهب وكأنها نقطة البداية الحقيقية لأي فنان، وكأن المتسابق لا يكتسب شرعيته الفنية إلا بعد أن يجتاز اختبارات اللجنة ويحصل على موافقتها، بينما الواقع أن بعض المشاركين يدخلون هذه البرامج ولديهم تجارب وخبرات وتاريخ سابق، وربما يمتلكون مشروعا فنيا أكثر وضوحا من الصورة التي تظهر بها مواهب كثيرة أمام الكاميرات.


الأزمة ليست في أن لجنة التحكيم لم تختر عبد الرحمن بلالة فحسب، فليس مطلوبا من أي لجنة أن توافق على كل أداء، ولا يعني اختلاف التقييم بالضرورة وجود خطأ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعايير المحدودة إلى مقياس وحيد للحكم على الموهبة، وعندما يصبح ما لا تفهمه اللجنة أو لا يشبه ذائقتها أمرا لا يستحق الاهتمام.


فهل يمكن لعضو لجنة تحكيم متخصص في الغناء المعاصر أن يمتلك بالضرورة الأدوات الكافية لتقييم أداء يعتمد على تقاليد الموال الشعبي والارتجال؟ وهل تكفي الخبرة في لون موسيقي واحد للحكم على تجربة تنتمي إلى لون آخر له قواعده ومقوماته وتاريخه؟


ولذلك ربما تتجاهل برامج المواهب هذه المواهب المختلفة عن صورة مغني الـ"بوب" العصري، فإنها لا تظلم متسابقا بعينه فقط، بل تساهم في تكريس تصور ضيق عن الموسيقى، وكأن الغناء لا يمكن أن يكون ناجحا إلا إذا جاء في صورة محددة، وبطريقة أداء مألوفة، وبشخصية تصلح للتسويق التلفزيوني.


والأخطر أن هذا التصور قد ينعكس على المتسابقين أنفسهم؛ فيبدأ أصحاب المواهب المختلفة في محاولة تغيير أدائهم، أو تقليد الأنماط التي تحظى باهتمام اللجنة، أو التخلي عن بعض ملامح هويتهم الفنية بحثا عن القبول، وهكذا تصبح هذه البرامج، بدلا من أن تمنح التنوع فرصة للظهور، أداة تدفع الجميع إلى الاقتراب من شكل واحد.


وهذا عكس ما يفترض أن تفعله أي منصة لاكتشاف المواهب، فوظيفتها ليست البحث عن نسخة جديدة من فنان موجود، وإنما منح الفرصة لتجارب لم نسمعها من قبل، وأصوات قد لا تنتمي إلى الذائقة السائدة، لكنها تحمل قيمة فنية حقيقية!

تم نسخ الرابط