السينما بتحكي تاريخ.. تفاصيل مثيرة من كواليس فيلم "البوسطجي"

فيلم البوسطجي
فيلم "البوسطجي"

على مدار عقود، لم تكن السينما المصرية مجرد مرآة للواقع، بل نجحت في الاحتفاظ بالكثير من تفاصيله داخل أفلام أصبحت مع مرور السنوات جزءًا من ذاكرة الجمهور، وحملت بين مشاهدها حكايات إنسانية واجتماعية لا تزال قادرة على إثارة النقاش حتى اليوم.

ومن هنا تأتي سلسلة "السينما بتحكي تاريخ"، التي تستعيد من خلالها "وشوشة" حكايات أبرز الأفلام التي تركت بصمة في تاريخ الفن المصري، وتكشف ما وراء أحداثها من تفاصيل وقصص إنسانية وكواليس لا يعرفها كثيرون. 

وحكاية اليوم مع فيلم "البوسطجي"، الذي لم يكتفِ بتقديم صورة عن حياة إحدى قرى صعيد مصر، بل ناقش من خلال أحداثه الصراعات الاجتماعية والعادات والتقاليد التي فرضت قيودها على حياة أهل القرية، في معالجة درامية لقصة إنسانية انتهت بمأساة مؤثرة. وعُرض الفيلم عام 1968، وهو مأخوذ عن قصة "دماء وطين" للأديب يحيى حقي، ومن إخراج حسين كمال، ليظل أحد أبرز الأعمال التي تركت بصمة في تاريخ السينما المصرية.

واستطاع الفيلم أن يحجز مكانه بين كلاسيكيات الشاشة، إذ جاء في المركز الثاني عشر ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، كما اختارته إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي للعرض ضمن برنامج كلاسيكيات السينما المرممة، إلى جانب 26 فيلمًا آخر.

من إسطنبول إلى صعيد مصر.. كيف ولدت حكاية "البوسطجي"؟

كتب الأديب يحيى حقي قصة "دماء وطين" عام 1933، خلال فترة إقامته في إسطنبول بحكم عمله الدبلوماسي، واستلهم تفاصيلها من مشاهداته للمجتمع الصعيدي، بعدما عاش تجربة في قرية كوم النحل، التي عكست له طبيعة الحياة في القرى النائية وما ارتبط بها من فقر وعادات اجتماعية صارمة.

وجاءت القصة في حجم الرواية القصيرة، لكنها حملت تفاصيل اجتماعية وإنسانية مكثفة، إذ اعتمد حقي على شخصية غريبة عن المجتمع المحلي، لتكون نافذة تكشف ما يخفيه أفراده من مشاعر وصراعات ورغبات.

وأوضح الأديب في حديثه عن تأثره الأدبي أن شخصية البطل استلهمت بعض ملامحها من رواية "الأبله" للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، معتبرًا أن دخول شخص محايد إلى مجتمع مغلق قد يكشف الكثير من الأسرار التي يحاول أفراده إخفاءها.

 عباس ناظر البريد.. غريب يجد نفسه وسط مجتمع مغلق

تدور أحداث فيلم "البوسطجي" حول عباس، الذي يجسد شخصيته شكري سرحان، وهو موظف بالبريد ينتقل من القاهرة إلى إحدى قرى صعيد مصر، ليجد نفسه في بيئة تختلف تمامًا عن الحياة التي اعتادها في العاصمة.

ويبدأ عباس في مقارنة تفاصيل الحياة بين المكانين؛ فبينما اعتاد في القاهرة على الحركة والسهر ووسائل الترفيه، يجد في القرية أجواء يغلب عليها الملل والعزلة، فضلًا عن صعوبة التكيف مع طبيعة المجتمع المحيط به.

وتتضاعف أزماته مع أول احتكاك بأهل القرية، بعدما يواجه استغلال العمدة له في مسألة توفير مكان للإقامة، ثم يكتشف تدريجيًا أن وراء الهدوء الظاهري الكثير من النفاق والصراعات والتصرفات التي لا يتقبلها.

وتظهر طبيعة الصدام بين عباس وأهل القرية في عدد من المواقف، من بينها مشهد استضافته إحدى الغوازي في منزله، وما تبعه من تجمع الأهالي أمام البيت اعتراضًا على تصرفه، الأمر الذي يدفعه إلى التمرد على القيود الاجتماعية التي يفرضها المجتمع المحيط به.

جميلة وخليل.. قصة حب تنتهي بمأساة

تتقاطع حياة عباس مع قصة جميلة، التي قدمتها الفنانة زيزي مصطفى في أول أدوارها السينمائية، وهي ابنة أحد أعيان القرية، التي تسعى إلى استكمال تعليمها في مدرسة بأسيوط، بعيدًا عن البيئة التي نشأت فيها.

وتلتقي جميلة بخليل، الطالب بالمدرسة، وتنشأ بينهما قصة حب تتطور بعيدًا عن أعين أسرتها، ويتبادل الحبيبان الخطابات التي تحمل تفاصيل علاقتهما ومشاعرهما.

لكن فضول عباس ورغبته في التخلص من الملل يدفعانه إلى فتح بعض الرسائل التي تمر عبر مكتب البريد، ليكتشف العلاقة السرية بين جميلة وخليل، ويتحول بذلك من مجرد موظف يتابع حياة الآخرين إلى طرف غير مباشر في مأساة لم يكن يتوقع عواقبها.

وتصل الأحداث إلى ذروتها عندما يكتشف والد جميلة علاقتها بخليل، فيقرر قتلها بدافع ما يراه دفاعًا عن الشرف، ثم يحمل جثمانها ويطوف به القرية، في مشهد مأساوي يكشف قسوة العادات الاجتماعية التي تحكم مصير الفتاة.

ويصدم عباس بما حدث، بعدما يدرك أن تدخله في رسائل الحبيبين كان جزءًا من سلسلة الأحداث التي قادت إلى النهاية المأساوية، فيترك الخطابات تتناثر في الهواء، بينما يمضي تائهًا تحت وطأة شعوره بالذنب.

قرية النخيلة في أسيوط.. تصوير واقعي لأجواء الصعيد

حرص المخرج حسين كمال على الابتعاد عن الاستوديوهات قدر الإمكان في المشاهد الخارجية، واختار قرية النخيلة بمحافظة أسيوط لتصوير أجزاء من الفيلم، حتى تظهر البيئة الصعيدية بصورة أقرب إلى الواقع.

وكشف حسين كمال في تصريحات سابقة أنه شعر بأنه وجد نفسه فنيًا من خلال فيلم "البوسطجي"، الذي شارك في كتابة السيناريو الخاص به مع صبري موسى ودنيا البابا، كما سافر إلى أسيوط وأقام لمدة ثلاثة أسابيع لدى عمدة القرية، بهدف التعايش مع طبيعة المكان وفهم تفاصيل الحياة اليومية لأهله.

وساعدت هذه التجربة فريق العمل على تقديم صورة أكثر واقعية للمجتمع الذي تدور فيه الأحداث، خاصة فيما يتعلق بالعادات والتقاليد التي كانت تتحكم في العلاقات الأسرية، وتؤثر على قرارات الأفراد ومصائرهم.

 نهاية "البوسطجي" تثير الجدل وتختلف عن قصة يحيى حقي

أثار الفيلم نقاشًا نقديًا بسبب الاختلاف بين نهايته السينمائية والنهاية التي قدمها يحيى حقي في القصة الأصلية، إذ اتجه السيناريو الذي كتبه صبري موسى إلى نهاية أكثر قسوة ومباشرة، من خلال مقتل جميلة على يد والدها، بدلًا من ترك الأحداث مفتوحة كما جاءت في النص الأدبي.

وتناول الناقد عبد الفتاح البارودي عددًا من الاختلافات بين القصة والفيلم، من بينها سبب رفض الأب ارتباط ابنته بخليل؛ ففي القصة ارتبط الرفض باختلاف الديانة بين الحبيبين، بينما اعتمد السيناريو على العادات والتقاليد باعتبارها سببًا للصراع.

وفي المقابل، لم يرفض يحيى حقي المعالجة السينمائية، بل أشاد بتماسك السيناريو وتسلسل مشاهده، ورأى أن الإضافات التي أدخلها صناع الفيلم ساعدت على خدمة العمل، لكنه أبدى تحفظًا على بعض التفاصيل المتعلقة بتقديم القرية وكأنها تعيش الظروف نفسها وقت كتابة القصة، رغم مرور سنوات طويلة على ذلك.

وأكد حقي أن المخرج هو صاحب الرؤية النهائية للفيلم، وأن نجاح العمل أو إخفاقه يرتبط في الأساس بقدرته على قيادة عناصره الفنية، مشبهًا العلاقة بين المخرج وفريقه بعلاقة قائد الأوركسترا بالعازفين.

صلاح منصور يندمج في مشهد قتل ابنته

ارتبطت كواليس "البوسطجي" بموقف صعب خلال تصوير مشهد مقتل جميلة، إذ كشف الناقد عبد الفتاح البارودي أن الفنان صلاح منصور، الذي جسد شخصية الأب، اندمج في أداء المشهد بدرجة كبيرة، واستخدم سكين الإكسسوار بطريقة تسببت في إصابة زيزي مصطفى بجرح في صدرها.

وأثار الموقف اهتمامًا واسعًا عند الحديث عن كواليس الفيلم، خاصة أن المشهد كان من أكثر لحظاته قسوة وتأثيرًا، وجاء أداؤه انعكاسًا للطبيعة المأساوية التي أراد صناع العمل نقلها إلى الجمهور.

 9 جوائز تؤكد مكانة "البوسطجي" في السينما المصرية

لم يقتصر حضور فيلم "البوسطجي" على النجاح الفني والنقاشات النقدية التي أثارها، بل حصد أيضًا تسع جوائز سينمائية عن أعمال عام 1968، خلال حفل أقيم بقصر محمد محمود خليل، بحضور عدد من الشخصيات الثقافية والفنية، من بينهم المخرج العالمي روبرتو روسيلليني.

وأعلن وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة فوز فريق العمل بالجوائز، التي شملت السيناريو والحوار لصبري موسى، والقصة ليحيى حقي، والإخراج لحسين كمال، والتصوير لأحمد خورشيد، والتمثيل لشكري سرحان، والمونتاج لرشيدة عبد السلام، والديكور لحلمي عزب، إلى جانب جائزة الإنتاج لشركة القاهرة التابعة لمؤسسة السينما.

وبمرور السنوات، ظل "البوسطجي" حاضرًا باعتباره واحدًا من الأفلام التي جمعت بين القيمة الأدبية والجرأة السينمائية، وناقشت قضايا اجتماعية وإنسانية لا تزال تثير النقاش، ليحافظ على مكانته ضمن أبرز كلاسيكيات السينما المصرية.

تم نسخ الرابط