سباعية برامج اكتشاف المواهب | فن صناعة مواقف الإحراج بغرض الضحك!

وشوشة

منذ نحو تسع سنوات، نشر أحد متابعي برنامج «آرابز جوت تالنت» مقطعا مجمعا لعدد من العروض التي وصفها بأنها «أفشل مواهب»، وجمع فيه نماذج لمتسابقين قدموا عروضا بدت بعيدة تماما عن المستوى المتوقع من برنامج لاكتشاف المواهب.
 

والسؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن عند مشاهدة هذه العروض: كيف اجتاز أصحابها الاختبارات الأولى ووصلوا إلى هذه المرحلة؟ ألم تكن هناك اختبارات تمهيدية أو معايير أولية لاستبعاد العروض التي لا تمتلك الحد الأدنى من الموهبة؟ فمن الواضح أن بعض هذه النماذج لا تحتاج إلى لجنة تحكيم متخصصة حتى تدرك أن ما تقدمه لا علاقة له بالغناء أو الموسيقى أو حتى الموهبة بالمعنى البسيط للكلمة!.


لكن السؤال الأهم ليس كيف وصل هؤلاء المتسابقون إلى المسرح، وإنما لماذا اختيروا للظهور بهذه الصورة؟ ولماذا تحولت ردود فعل بعض أعضاء لجنة التحكيم إلى مساحة للسخرية والتعليقات اللاذعة، وأحيانا الإهانة العلنية، بدلا من الاكتفاء بتقييم الأداء وتوضيح أسباب الرفض؟.


هل كان الهدف اكتشاف موهبة جديدة، أم صناعة مشهد يضحك الجمهور على صاحبه؟، للإجابة عن هذا السؤال، يمكننا الاستعانة بدراسة أكاديمية بعنوان «(عدم) التأدب والتلفزيون الاستغلالي في بريطانيا وأمريكا الشمالية: ذا إكس فاكتور وأمريكان آيدول»، للباحثين جوناثان كولبيبر وأوليفر هولمز، والمنشورة عام 2013 ضمن كتاب Real Talk: Reality Television and Discourse Analysis in Action.


الدراسة لا تتعامل مع السخرية باعتبارها مجرد تجاوز أخلاقي عابر من أحد المحكمين، بل تضعها داخل إطار أوسع يتعلق بطبيعة بعض برامج التلفزيون، التي تعتمد على خلق مواقف صدامية ومحرجة، وتحويل ردود الفعل غير المتوقعة إلى مادة ترفيهية.


ويستخدم الباحثان مفهوم «التلفزيون الاستغلالي» لوصف بعض البرامج التي تستثمر في قلة التأدب والإهانة، وتبني جزءا من محتواها على وضع المشاركين في مواقف صعبة نفسيا واجتماعيا، بحيث يصبح إحراجهم أحد عناصر العرض الذي يتابعه الجمهور.


والفكرة هنا أن المتسابق لا يدخل إلى الاستوديو ليقدم موهبته فقط، بل يدخل إلى مساحة شديدة الحساسية، يكون فيها معرضا للتقييم العلني أمام لجنة تمتلك سلطة القبول والرفض، وأمام جمهور حاضر وآخر يتابع من خلف الشاشة. وفي هذه اللحظة، لا يكون الحكم على الأداء مجرد رأي فني، ولكنه يتحول إلى حكم على شخصية المتسابق وصورته أمام الناس.


وتشير الدراسة إلى أن المتسابقين يضعون جزءا كبيرا من صورتهم الاجتماعية وكرامتهم الشخصية داخل أدائهم؛ فهم يصعدون إلى المسرح حاملين أحلامهم وطموحاتهم، ثم يجدون أنفسهم أمام تقييم علني قد ينتهي بالسخرية منهم أو التقليل من شأنهم. ويزداد الأمر تعقيدا عندما لا يقتصر النقد على الأداء، بل يمتد إلى الشخص نفسه، أو يتحول إلى تعليقات ساخرة من مظهره وطريقته وثقته بقدراته.


وهنا تظهر نقطة مهمة في تحليل الباحثين: الإهانة لا تحدث بالكلمات فقط، وإنما يمكن أن تصنعها أيضا الإشارات غير اللفظية، مثل الضحك، وتبادل النظرات، والتصفيق الساخر، وطريقة الجلوس أو التعبير عن الاستهجان. أي إن المشهد كله قد يتحول إلى وسيلة لإحراج المتسابق، وليس مجرد كلمات يقولها المحكمون.
والأكثر أهمية أن الدراسة تربط بين هذا النوع من السلوك والوظيفة الترفيهية للبرنامج؛ فهناك طرف يتعرض للسخرية، وطرف يمارسها، وطرف ثالث يشاهد ويضحك. وبذلك يصبح المتسابق، الذي يفترض أن يكون محور المسابقة وهدفها، مادة للترفيه على حسابه.


ولم يكتف الباحثان بالتحليل النظري، بل درسا نماذج من برنامجَي «ذا إكس فاكتور» البريطاني و«أمريكان آيدول» الأمريكي، وحللا 40 اختبارا كاملا، بواقع 20 اختبارا من كل برنامج، شملت عروضاً ناجحة وأخرى لم تنجح في التأهل، كما استعانا بعينة إضافية من مقاطع مصورة.


ومن النتائج اللافتة أن الدراسة رصدت اختلافا بين أسلوب البرنامجين في التعامل مع المتسابقين الذين لم يجتازوا الاختبارات. ففي العينة التي حللها الباحثان، قدم حكام «ذا إكس فاكتور» انتقادات في 22 حالة، مقابل 20 حالة في «أمريكان آيدول». لكن الفارق الأوضح ظهر في طريقة التعامل مع أثر النقد؛ إذ حاول حكام البرنامج الأمريكي تخفيف حدة الإهانة الأولية في نحو 61% من الحالات التي رُصدت فيها، مقابل 20% فقط في البرنامج البريطاني.


كما رصدت الدراسة أن تقديم النصائح البناءة للمتسابقين المرفوضين كان أمرا نادرا في البرنامجين؛ فلم تتجاوز نسبتهما مجتمعتين 22% من الحالات التي شملها التحليل. وقدم حكام «أمريكان آيدول» نصائح للمتسابقين المرفوضين أكثر من ضعف ما قدمه حكام «ذا إكس فاكتور».


وهذه الأرقام مهمة؛ لأنها تكشف أن المسألة ليست مجرد وجود لجنة تقول «نعم» أو «لا»، وإنما تتعلق بالطريقة التي يجري بها التعامل مع الإنسان الذي يقف أمامها. فهناك فرق بين أن ترفض متسابقا لأن أداءه لا يؤهله للاستمرار، وأن تجعل من رفضه مناسبة للسخرية منه وإضحاك الجمهور عليه.


وبالطبع، لا تعني هذه الدراسة أن كل تعليق ساخر مخطط له مسبقا، أو أن كل متسابق ضعيف يتم استدعاؤه عمدا لإهانته. بل إن الباحثين يوضحان أن المادة التي اعتمدا عليها تضمنت مقاطع مختارة أصلا لقيمتها الترفيهية، وهو ما يرجح وجود قدر أكبر من المواجهة والسجال فيها مقارنة بالاختبارات العادية. لكن هذا التحفظ لا يلغي الفكرة الأساسية التي تكشفها الدراسة: أن الإهانة والسخرية يمكن أن تكونا جزءا من آليات صناعة الترفيه في هذه البرامج، وهنا نعود إلى مشهد «آرابز جوت تالنت» الذي بدأنا به.


عندما نشاهد متسابقا يقدم عرضا ضعيفا، ثم نرى أعضاء لجنة التحكيم يتبادلون التعليقات الساخرة أو يطلقون ردود فعل مبالغا فيها، فإننا لا نتابع تقييما فنيا بالمعنى الحقيقي، بل نشاهد مشهدا كوميديا صُنع من إخفاق إنسان أمام الجمهور.


وقد يكون المتسابق نفسه مقتنعا بموهبته، أو لديه حلم أكبر من قدراته الحالية، أو يفتقر إلى الخبرة التي تجعله يدرك حدود إمكاناته. لكن هل يستحق ذلك أن يتحول إلى مادة للسخرية؟ وهل وظيفة لجنة التحكيم أن تكتشف حدود الموهبة، أم أن تستعرض قدرتها على إحراج صاحبها؟.


ولذلك الأمر لا يتوقف عند المتسابق وحده. فهذه المشاهد تمنح البرنامج مادة سهلة الانتشار؛ إذ تتحول إلى مقاطع قصيرة يتداولها الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي، ويعيد نشرها للتعليق عليها والضحك من أصحابها. وقد يحقق المتسابق الذي فشل في إبهار اللجنة انتشارا أوسع من متسابق آخر قدم أداء جيدا، لمجرد أن لحظة إحراجه كانت أكثر إثارة للجدل.


وهنا تتحقق المفارقة: المتسابق الذي لم ينجح في اختبار الموهبة قد ينجح في اختبار صناعة المشاهدات، والبرنامج الذي لم يكتشف فنانا جديدا قد يخرج بمقطع ساخر يحقق انتشارا واسعا، ولكن هناك أثرا آخر يستحق الانتباه، يتعلق بالجمهور نفسه. فعندما تتكرر هذه المشاهد، يصبح المتفرج معتادا على إصدار أحكام سريعة وقاطعة على الآخرين، وعلى التعامل مع الفشل باعتباره مادة للضحك، لا مرحلة طبيعية من مراحل التعلم والتطور.


كما يتعلم الجمهور، بصورة غير مباشرة، أن الموهبة يمكن اختزالها في تصنيف سريع: إما أنك موهوب وتستحق التصفيق، وإما أنك لا تستحق سوى السخرية. بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير؛ فالموهبة درجات، والقدرات تحتاج إلى تدريب، والخبرة لا تتكون في لحظة واحدة، والفشل في اختبار تلفزيوني لا يعني بالضرورة غياب الموهبة أو انعدام القدرة على التطور.


بل إن بعض التجارب الفنية المهمة لم تبدأ بأداء مكتمل أو نجاح فوري، وإنما احتاج أصحابها إلى سنوات من التعلم والتجريب والعمل حتى يصلوا إلى الشكل الذي عرفهم به الجمهور. فهل يمكن اختزال كل ذلك في دقائق معدودة أمام لجنة تحكيم تبحث عن رد فعل يصلح للعرض التلفزيوني؟.


وهنا نصل إلى السؤال الذي يخص مستقبل هذه البرامج: كيف يمكن لمتسابق أن يخرج من تجربة تقوم على إحراجه وإضعاف ثقته بنفسه، ثم ننتظر منه أن يتحول إلى فنان يمتلك شخصية مستقلة ومشروعا قادرا على الاستمرار؟.


مستحيل أن نتوقع من شخص أن يبني هويته الفنية في بيئة تجعل من الخطأ فضيحة، ومن التجربة مادة للسخرية، ومن الفشل مناسبة للضحك عليه. فالفنان يحتاج إلى مساحة آمنة للتعلم والتجريب، وإلى نقد يوضح له نقاط ضعفه، وليس مجرد مشهد يختزل قيمته في لحظة ارتباك أمام الكاميرات!.

تم نسخ الرابط