اكتشاف مبنى أثري ضخم عمره 2600 عام تحت دلتا النيل.. فما قصته؟

وشوشة

في اكتشاف أثري جديد يكشف جانبًا من أسرار العمارة المصرية القديمة، نجح فريق من الباحثين المصريين في تحديد موقع منشأة ضخمة مدفونة منذ نحو 2600 عام تحت موقع بوتو الأثري، المعروف حاليًا باسم تل الفراعين، شمال غربي دلتا النيل، باستخدام صور الأقمار الصناعية وتقنيات متطورة لمسح باطن الأرض.

وكشفت الدراسة عن وجود مبنى ضخم مشيد بالطوب اللبن، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، المعروف بالعصر الصاوي، ويقع على عمق يتراوح بين 3 و6 أمتار أسفل طبقات أثرية أحدث. ولا يزال الغرض الأصلي من المنشأة غير محسوم، إذ يرجح الباحثون أنها ربما كانت مقبرة كبيرة أو مزارًا دينيًا أو مقرًا لإقامة الكهنة.

كيف ساعدت الأقمار الصناعية في اكتشاف المبنى؟

اعتمد الباحثون على بيانات القمر الصناعي “Sentinel-1” التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يستخدم تقنيات رادارية لرصد التغيرات والخصائص التي قد تشير إلى وجود منشآت مدفونة تحت سطح الأرض.

وبعد تحديد منطقة مثيرة للاهتمام في موقع كوم C، استخدم الفريق تقنية التصوير المقطعي بالمقاومة الكهربائية، التي تعتمد على تمرير تيارات كهربائية في التربة وقياس استجابتها، بهدف تكوين تصور ثلاثي الأبعاد للطبقات والمنشآت الموجودة في باطن الأرض.

وأظهرت نتائج المسح وجود شذوذ جيولوجي بيضاوي الشكل يبلغ طوله نحو 128 مترًا وعرضه 62 مترًا، قبل أن تكشف الفحوصات الأكثر تفصيلًا عن وجود الهيكل الأثري المدفون.

سر الرمال التي استخدمها المصريون القدماء في البناء

ومن أبرز تفاصيل الاكتشاف العثور على طبقة سميكة من الرمال النظيفة أسفل المنشأة، على عمق يتراوح بين 6 و7 أمتار، ويرجح الباحثون أن البنائين القدماء وضعوها عمدًا لتكون قاعدة تساعد على توزيع وزن المبنى وتصريف المياه الجوفية، وتحمي أساساته من تأثير التربة الطينية المتحركة في دلتا النيل.

وتشير هذه الطريقة إلى معرفة عملية بطبيعة الأرض والظروف البيئية المحيطة، إذ إن التربة الطينية قد تتأثر بتغيرات الرطوبة والمياه، وهو ما يجعل تشييد مبانٍ ثقيلة فوقها تحديًا هندسيًا.

ماذا عثر العلماء داخل المنشأة؟

أكدت أعمال التنقيب المحدودة، التي استهدفت مساحة بلغت نحو 100 متر مربع، وجود جدران سميكة من الطوب اللبن، إلى جانب مجموعة من القطع الأثرية التي تقدم مؤشرات على ارتباط المكان بأنشطة دينية أو جنائزية.

ومن بين المكتشفات تماثيل صغيرة من الأوشابتي، وهي تماثيل كانت توضع في المقابر المصرية القديمة لتؤدي أعمالًا نيابة عن المتوفى في العالم الآخر، بالإضافة إلى مذبح من الحجر الجيري يحمل بقايا تتوافق مع آثار قرابين حيوانية، وتمثال صغير من الفايانس يصور قرد البابون المرتبط بالإله تحوت.

وتعزز هذه المكتشفات احتمال أن تكون المنشأة مرتبطة بطقوس دينية أو جنائزية، لكن تحديد وظيفتها بصورة نهائية يتطلب مزيدًا من الدراسات وأعمال التنقيب.

بوتو.. مدينة مصرية قديمة تخفي أسرارًا تحت الأرض

وتُعرف بوتو، أو تل الفراعين، بأنها واحدة من المواقع الأثرية المهمة في شمال مصر، وارتبطت قديمًا بعبادة الإلهة وادجيت، التي كانت تُصوَّر في هيئة أفعى الكوبرا، كما شهد الموقع مراحل استيطان متعددة امتدت من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر الإسلامي المبكر.

وتكمن أهمية الاكتشاف الجديد في أنه يوضح كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تساعد علماء الآثار على الوصول إلى طبقات تاريخية عميقة دون اللجوء إلى الحفر العشوائي أو إزالة كميات كبيرة من التربة والرديم.

ونُشرت نتائج الدراسة في مارس 2026 بدورية “Acta Geophysica”، فيما يأمل الباحثون توسيع نطاق المسح خلال المراحل المقبلة للكشف عن منشآت أقدم ربما لا تزال مدفونة أسفل طبقات الموقع الأثري.

تم نسخ الرابط