اكتشاف سور دفاعي عمره 4 آلاف عام يعيد كتابة تاريخ شمال إفريقيا

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

كشفت حفريات أثرية حديثة في موقع واد بهت بإقليم الخميسات شمال غربي المغرب، عن بقايا نظام دفاعي يعود تاريخه إلى ما بين 3500 و4000 عام، في اكتشاف يسلط الضوء على تطور المجتمعات القديمة في شمال إفريقيا، ويقدم أدلة جديدة على قدرتها على التخطيط والتنظيم وتنفيذ مشروعات إنشائية ضخمة قبل آلاف السنين.

ووفقًا لنتائج مشروع واد بهت الأثري، فإن المنشأة المكتشفة تتكون من خندق وسور ترابي أو ساتر دفاعي، يرجعان إلى بدايات ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، ويعدان أقدم نظام تحصينات دفاعية واسع النطاق تم توثيقه في شمال إفريقيا خارج وادي النيل.

اكتشاف أثري يحل لغزًا استمر قرابة قرن

وتعود أهمية الاكتشاف إلى أن آثار المنشآت الدفاعية في الموقع كانت معروفة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لكن طبيعتها وتاريخ بنائها ظلا غير محسومين لعقود طويلة، حتى جاءت أعمال التنقيب الحديثة لتكشف عن طبقات أقدم من البناء الحجري الظاهر على سطح الأرض.

واستعان الباحثون بـ17 نتيجة جديدة للتأريخ بالكربون المشع، إلى جانب أعمال الحفر والتحليل الأثري، لتحديد المراحل الزمنية المختلفة للمنشأة، وتبين أن النظام الدفاعي الأقدم سبق الجدار الحجري الذي أعيد تشييده وتقويته خلال العصور الوسطى، وتحديدًا بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين.

ماذا تكشف التحصينات عن سكان المغرب قديمًا؟

تشير الدراسة إلى أن بناء خندق وسور بهذا الحجم تطلب قدرًا كبيرًا من التخطيط وتنسيق الجهود والعمل الجماعي، وهو ما يقدم دليلًا على أن المجتمعات التي عاشت في شمال غربي المغرب خلال تلك الفترة كانت تمتلك مستوى من التنظيم الاجتماعي والقدرة على إدارة مشروعات إنشائية كبيرة.

ولا يزال الغرض الدقيق من إنشاء التحصينات غير معروف بصورة قاطعة، لكن الباحثين يرجحون ارتباطها بالحاجة إلى حماية المنطقة، أو تنظيم حركة الأفراد عبر الممرات الطبيعية، أو السيطرة على الأراضي والموارد والطرق المهمة.

علاقات قديمة عبر البحر المتوسط

ولا تقتصر أهمية اكتشاف واد بهت على التحصينات وحدها، إذ سبق أن كشفت الأبحاث في الموقع عن آثار مجتمع زراعي قديم مارس زراعة الحبوب والبقوليات، وربى الماشية، وصنع الأدوات الحجرية والفخار، مع وجود مؤشرات على اتصالاته بمجتمعات أخرى عبر البحر المتوسط، خاصة في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

وتشير النتائج إلى أن المنطقة شهدت مراحل متعددة من الاستقرار البشري على مدى آلاف السنين، بداية من المجتمعات الزراعية في العصر الحجري الحديث، مرورًا بمراحل بناء التحصينات خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، وصولًا إلى إعادة استخدام الموقع خلال العصور الوسطى.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Libyan Studies، بمشاركة باحثين من المغرب وإيطاليا وبريطانيا، ضمن مشروع تعاون علمي يضم المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، والمجلس الوطني للبحوث في إيطاليا، وجامعة كامبريدج.

ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين فرصة جديدة لفهم تاريخ شمال إفريقيا قبل آلاف السنين، ويؤكد أهمية مواصلة التنقيب والدراسة في المواقع الأثرية التي قد تكشف عن جوانب لم تكن معروفة من تاريخ المجتمعات القديمة في المنطقة.

تم نسخ الرابط