سباعية سوبر نوڤا| أغنية "وحدي".. عندما تُستدعى الموسيقى لمواجهة العالم
تبدأ أغنية “وحدي” بعزف جيتار لشريف الهواري، يستدعي إلى الذاكرة موسيقى تتر برنامج “مواقف وطرائف” لأستاذنا جلال علام، الذي بدأ عرضه على التلفزيون المصري عام 1988، وكان تتر البرنامج مقتبسًا من أغنية الروك الشهيرة “Money for Nothing” لفرقة Dire Straits.
وهذه هي الروح نفسها التي تستدعيها أغنية “وحدي” لكايروكي من ألبوم “سوبر نوفا”؛ الألبوم الذي لا يقتصر الأمر فيه على استحضار النوستالجيا، وإنما يمتد إلى تحديد هوية الجيل الذي يغني له الفريق، إنه الجيل الذي كان طفلًا عام 1988، ثم كبر ليجد نفسه محاصرًا بضغوط الحياة، التي قد تدفعه في لحظة ما إلى الانفجار.
“وحدي” واحدة من أجمل أغاني الألبوم، كتبها محمود الشافعي، وتكمن عبقريتها في أنها تقلب الصورة التقليدية التي تقدمها أغنيات الوحدة. ففي معظم هذه الأغاني، نجد شكوى من الوحدة، وخوفًا منها، ومحاولة للهروب من وطأتها، وكأن الإنسان لا يستطيع مواصلة حياته من دون وجود شخص آخر إلى جواره.
أما هنا، فنحن أمام احتفاء بالوحدة، ومحاولة لاكتشاف ما يمكن أن تمنحه للإنسان من قوة. فأن تكون وحدك لا يعني بالضرورة أنك تعيس، وأن تواصل حياتك وحيدًا، رغم كل ما تفرضه عليك من أعباء، قد يكون في حد ذاته بطولة.
ويأتي اختيار محمود عزب للرقص على هذه المعاني في فيلم “سوبر نوڤا” ليضيف طبقة أخرى من الدلالات إلى الأغنية، خصوصًا إذا وضعناه في سياق ظهوره السابق في “أنا فاضل”.
في الأغنية السابقة “أنا فاضل”، رأينا الشخصية في حوار مع طبيبها النفسي، تعترف بأنها لم تعد تشعر بأي شيء، ثم تصل إلى قناعة بأن العلاج وكلام الطبيب لن يغيرا واقعها، فتخبره بأنها ستكون بخير على أي حال، وتنتهي الأغنية بقرارها أن تدخن السيجارة الأخيرة المتبقية في علبتها، داخل البيت، بمفردها.
لقد قررت الشخصية أن تعيش وحيدة، لكنها لم تصل إلى هذا القرار بالضرورة لأنها تفضله، وإنما لأنها استسلمت لاحتمال أن تكون الوحدة مصيرًا شبه محتوم، مفروضًا عليها بفعل ظروفها وتجربتها مع الحياة.
وهنا تأتي “وحدي” لتقدم امتدادًا مختلفًا لهذه الحكاية. فبعدما وجد البطل نفسه وحيدًا، يبدأ في التفاعل مع الإيقاع الراقص وموسيقى الروك، وكأنه قرر أن يحتفي بوحدته بدلًا من الاستسلام للحزن بسببها، ويمكن قراءة هذا التحول باعتباره حيلة دفاعية يحاول بها حماية نفسه من مزيد من الاكتئاب، ومنحها فرصة لمواصلة الحياة رغم مصاعبها.
فإذا كانت الوحدة قدرًا لا يمكن الفرار منه، فلماذا لا نحاول البحث عن نقاط الضوء داخلها؟ ولماذا لا نتصالح مع واقعنا بدلًا من إهدار ما تبقى من طاقتنا في مقاومته؟
ولا تقل أهمية عن ذلك دلالة استدعاء موسيقى تتر “مواقف وطرائف”، التي تعيدنا إلى زمن كان التلفزيون الرسمي نافذتنا الأساسية على العالم. زمن كانت فيه مصادر المعرفة محدودة، وكانت الصورة التي تصل إلينا عن الحياة أكثر بساطة، وكنا نميل إلى تصديق ما تقدمه لنا الدولة عبر شاشتها، قبل أن نكبر ونكتشف أن العالم أوسع بكثير مما تخيلنا.
ثم اتسعت النوافذ، وتعددت مصادر المعرفة، واكتشفنا أن العالم أكثر تعقيدًا مما كنا نظن، وأن اتساعه لا يعني بالضرورة أن قدرتنا على فهمه والتعامل معه ستزداد، بل ربما وجد كثيرون أنفسهم تائهين وسط هذا الزحام، عاجزين عن إيجاد مساحة آمنة، حتى أصبحت الوحدة بالنسبة إليهم ملاذًا من عالم يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
ومن هنا، لا يبدو استدعاء تلك الموسيقى مجرد حنين إلى الماضي، بل يصبح وسيلة لتحديد المسافة بين طفولة كانت ترى العالم من نافذة واحدة، وحاضر يجد فيه الإنسان نفسه أمام نوافذ لا حصر لها، من دون أن يعرف بالضرورة أيها يقوده إلى الطريق الصحيح.
لهذا، تبدو رسالة “وحدي” بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: إذا كانت الوحدة مكتوبة عليك، فأنت بطل؛ ليس لأنك اخترت العزلة بالضرورة، ولا لأن الوحدة في ذاتها فضيلة، وإنما لأنك لا تزال قادرًا على مواصلة الحياة رغم ما تفرضه عليك.
أنت لا تزال قادرًا على تحمل المسؤولية، والاستماع إلى الأغاني التي تحبها، والاعتراف بوجعك من دون خجل، والتمسك بأحلامك، ومحاولة معالجة كسورك النفسية، حتى لو لم تجد من يشاركك الرحلة.
هذه هي البطولة الحقيقية التي تتحدث عنها الأغنية؛ أن تواصل المحاولة، وأن تبحث عن نقاط الضوء وسط العتمة، وأن تحافظ على قدرتك على الشعور والحلم، حتى عندما تضيق بك الحياة، ولا تجد إلى جوارك أحدًا، فأحيانًا، لا تكون البطولة في أن تنجو من الوحدة، بل في أن تنجو بنفسك داخلها.