سباعية سوبر نوڤا | «نسينا».. وحكاية جيل حي لا يعيش
يبدأ الفيديو المصور للألبوم بأغنية «نسينا»، التي تمزج بين موسيقى الروك والـSynthwave. وفي الحقيقة، يمكن القول إن الألبوم في مجمله ينتمي إلى فضاء الـPost-Rock، إذ لا يقدم الروك بأشكاله التقليدية، وإن كنا سنصادف بعض هذه الأشكال في مجموعة من الأغنيات التي سنتوقف عندها لاحقًا، وإنما يعتمد في أغلب الأحيان على المزج بين الأنماط الموسيقية، وتوظيف العناصر الإلكترونية، إلى جانب كسر القوالب التقليدية للأداء الغنائي نفسه.
لكن الأهم في «نسينا» هو ذلك السطر الذي أراه مفتاحًا لفهم الألبوم بأكمله: «أنا حي بس مش بعيش».
لأن هناك فارق بين أن تكون حيًا، وأن تكون عائشًا بالفعل. الحياة، في معناها البيولوجي، تعني أن تأكل وتشرب وتنام وتستيقظ، وهي صفات تتوافر في النبات باعتباره كائنًا حيًا، لكنه لا يتحرك بإرادته، ولا يمتلك المشاعر الإنسانية بالمعنى الذي نعرفه. أما أن تعيش، فالأمر يتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة، إلى إدراك النعم، والشعور بالمشاعر، والقدرة على الاستمتاع، والحركة، وصناعة الإنجاز، وترك أثر حقيقي في العالم من حولك.
من هنا، يمكننا فهم أهمية اختيار هذه الجملة مدخلًا للألبوم؛ فعبارة «أنا حي بس مش بعيش» لا تلخص حالة صاحب الأغنية وحده، وإنما تفتح الباب أمام قراءة أوسع لحالة جيل كامل، يعيش بالمعنى البيولوجي، لكنه يعاني افتقاد الحياة بمعناها الروحي والوجداني، وكأن البقاء أصبح غاية في حد ذاته، دون أن يصاحبه شعور حقيقي بجدوى هذا البقاء.
ولعل تكرار الجملة نفسها في الأغنية الأخيرة ليست مجرد تفصيلة عابرة، وإنما جزء من البناء المفاهيمي للألبوم؛ فكما بدأنا بهذه الفكرة، سنعود إليها في النهاية وبالتحديد في أغنية «في الختام» عندما أكد أمير عيد بصوته على نفس المعنى في جملة «عايش صحيح لكن بشك أني حي»، لنكتشف جمال الـConcept Album، الذي لا يقدم مجموعة من الأغنيات المنفصلة، بل حكاية متكاملة تتجاور فيها الأفكار، وتتقاطع فيها المعاني، وتترابط فيها الأغنيات موسيقيًا وفكريًا، بحيث تصبح كل أغنية جزءًا من بناء أكبر لا تكتمل دلالته إلا بالاستماع إلى التجربة كاملة.
واللافت أيضًا أن «نسينا» أغنية عاطفية، وهي نقطة تستحق التوقف عندها، خصوصًا في مواجهة التصور السائد لدى بعض صناع موسيقى البوب، الذين اختزلوا الأغنية العاطفية في التغزل الجسدي، ووصف تفاصيل المظهر الخارجي للحبيبة بطريقة شهوانية. والحقيقة أن التعبير عن الحب لا يتطلب بالضرورة الحديث عن الجسد والرموش، وإنما يمكن لرجل أن يخاطب حبيبته، ويكشف لها عن أعمق مشاعره وأوجاعه الداخلية، دون أن يتحول التعبير العاطفي إلى وصف جسدي مباشر.
وهنا، أنا لا أتحدث عن رفض الشهوة أو إنكار حضورها في الأغنية، فليس لدي اعتراض على ذلك، وإنما عن رفض اختزال التجربة العاطفية بأكملها فيها، وكأن الحب لا يمكن التعبير عنه إلا من خلال الرغبة الجسدية، بينما تظل المشاعر الإنسانية الأعمق خارج الصورة.
وهذا المفهوم العاطفي يمتد إلى الأغنية التالية، «ما تيجي»، التي يظهر فيها الحبيب وهو يخاطب حبيبته، ويحكي لها بدوره عن أوجاعه الداخلية، لنكتشف أن التعبير عن المشاعر يظل أحد الخيوط التي تربط أغنيات الألبوم، وتمنحها قدرًا من التكامل يتجاوز مجرد اجتماعها داخل إصدار غنائي واحد.