سباعية ويجز ومروان بابلو.. من يصنع الألبوم الأفضل؟

ويجز ومروان بابلو
ويجز ومروان بابلو

إذا كنا قد تحدثنا، في سباعية ويجز ومروان بابلو، عن كون الأخير الأب الروحي للتراب، ودوره في فتح الباب أمام الرابرز لتقديم إعلانات جماهيرية كبرى كما يحدث الآن، فقد حان الوقت للتعمق في التجربة الفنية ذاتها، بعيدًا عن حسابات الجمهور والتجارة؛ فعندما يتعلق الأمر بجودة ألبومات الراب، لا تجوز المقارنة أصلًا بين ويجز وبابلو.

صحيح أن ويجز يستطيع تقديم أغانٍ منفردة ناجحة فنيًا وجماهيريًا، بل حقق نجاحات ساحقة بأغانٍ مثل “دورك جاي” و"البخت"، لم يستطع بابلو تحقيقها جماهيريًا، لكن صناعة أغنية ناجحة تختلف عن بناء ألبوم متكامل. وهنا يتفوق مروان بابلو، الذي يقدم، إلى جانب فريق كايروكي، واحدًا من أبرز نماذج الـ"Concept Album" في الوطن العربي والمفارقة أن التجربتين اجتمعتا سابقًا في أغنية “تارنتينو”.

ولفهم الفارق، دعونا نحلل ألبوم “آخر قطعة فنية” لمروان بابلو، الذي يتجاوز كونه مجموعة من الأغاني إلى حكاية إنسانية متصلة، تكشف صراع صاحبها مع نفسه والمجتمع الذي أصبح جزءًا منه.

من الفقر إلى الشهرة

من خلال متابعتي للتحليل الغنائي لما يقرب من عشر سنوات، وخبرتي الصحفية، تكوّنت لدي صورة عن شخصية بابلو ونظرته إلى نفسه ومجتمعه. فقد نشأ في بيئة شعبية بالإسكندرية، ولم يكمل تعليمه، وحمل سخطًا على ظروفه الاجتماعية، عبّر عنه بوضوح في "أتاري"، حين استعاد مشاهد الفقر، والأطفال الذين ينتظرون أمام المساجد ملابس العيد، وتجربته في بيع الملابس بالشوارع، ومحاولاته تكوين نفسه عبر الجمعيات الشعبية.

لخص بابلو دوافعه في جملة "من الفقر مليت، من الكبت غنيت"، ليكشف أن الموسيقى لم تكن مجرد وسيلة للشهرة، بل مخرجًا من واقع لم يكن راضيًا عنه.

لكن ماذا يحدث عندما يصبح هذا الشاب نجمًا إعلانيًا، وتتحول الشهرة إلى ثروة، ويجد نفسه داخل المجتمع الذي كان ساخطًا عليه؟ هنا تبدأ حكاية "آخر قطعة فنية"، فبابلو لا يبدو متصالحًا مع عالمه الجديد، ولا متحررًا من قيوده الدينية والشعور بالذنب تجاه ما يقدمه، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الابتعاد عن الموسيقى، باعتبارها الموهبة التي يمتلكها والوسيلة التي اعتاد التعبير بها عن نفسه.

حكاية الألبوم

1. آمان

يبدأ الألبوم بمقدمة «آمان»، التي تستدعي الاستغاثة بالله، وتؤسس للحضور الديني الممتد عبر أغنياته. يستعيد بابلو أزمته مع الوسط الموسيقي، الذي اكتشف أنه لا يشبه الصورة التي تخيلها عندما دخل المجال لصناعة الموسيقى التي يحبها. وهو المعنى الذي سبق أن تناوله في «الغابة»، التي عاد بها بعد الاعتزال، ليعلن أن البقاء في هذا الوسط للأقوى.

ويتساءل هنا: «إزاي عايزين ملاك يكبر وسط الشياطين؟»، في تلخيص لصراعه مع عالم يراه فاسدًا. كما يكشف عن أفكار انتحارية راودته، قبل أن يتداخل صوت فتاة تقول له «روح»، وكأنه صوت الموسيقى التي تدفعه للاستمرار في مشروعه رغم أزمته.

2. ضحية

يواصل بابلو الحكاية بنبرة أكثر انكسارًا، محاولًا إقناع نفسه بأنه ضحية الظروف التي أوصلته إلى هذه الحالة، لكنه لا ينجح في التخلص من أوجاعه أو شعوره بالذنب.

يقول: «والموضوع تقيل على قلبي سايب حمل»، قبل أن يصف صراعًا داخليًا يحرمه النوم ويدفعه للشعور بأنه يحتاج إلى طبيب. ثم يستعين بصورتين دينيتين؛ فهو «On fire»، أي يحترق، ويحاول في الوقت نفسه الجري على «Wire»، في إحالة محتملة إلى الصورة الذهنية للصراط المستقيم الممتد فوق النار. هكذا يتحول الصراع النفسي إلى صور موسيقية ولغوية تعكس خوفه من العواقب.

3. الحلال

إذا كان بابلو قد قدّم نفسه في الأغنية السابقة باعتباره ضحية، فإنه يعلن هنا تخليه عن هذا الدور، والتحول إلى الانتقام ممن تسببوا في ألمه، قائلًا: «ده من كتر اللي حصل فيا، سيبت دور الضحية، وبقيت أرد في الناس».

العنوان نفسه يواصل الاستعانة بالمفردات الدينية، لكن الشخصية لم تعد تبحث عن تبرير ما حدث لها فقط؛ بل تحاول استعادة السيطرة على واقعها.

4. ماطفتش

رغم التحول إلى الانتقام، لا يجد بابلو الراحة التي يبحث عنها. فالمال الذي حصل عليه لا يطفئ النار المشتعلة بداخله، والصورة التي يراها الجمهور لا تكشف ما يدور في داخله من صراعات. النجاح هنا لا يمثل نهاية الأزمة، بل يكشف عجزه عن تجاوزها.

5. ليلي ياه

يؤكد بابلو أن أغانيه امتداد لتجربته الشخصية، قائلًا: «في دماغي موسيقى تحكي عن الواقع اللي فيه اتأذيت». إنه شاب تائه وسط جيل من الشباب التائه، لكن ما يميزه قدرته على تحويل مشاعره إلى موسيقى، بينما يعجز آخرون عن التعبير عن أوجاع مشابهة.

ويعود إلى فكرة الاعتزال بقوله: «كل ما آخد فرصة تانية أحتاج لفرصة تانية»، في إشارة إلى أن محاولاته للابتعاد عن الغناء والتقرب إلى الله لم تحسم صراعه، بل تركته محتاجًا إلى فرصة جديدة.

6. DDDD

يحمل العنوان اسم الإيقاع «Dub Def Dee Dum» الذي يقوم عليه التوزيع الموسيقي. ويتناول بابلو المال والطبقية، ويصف مجتمع الأغنياء بالخنازير، في مفارقة تكشف التناقض بين طموحه القديم في الوصول إلى هذا العالم، ونفوره منه بعد أن أصبح جزءًا منه.

فالثراء الذي سعى إليه لم يحقق له الانتماء، بل زاد إحساسه بالغربة.

7. ميلوديز

يعترف بابلو بأنه لا يزال يتعلم، وأنه لم يصل إلى النضج الذي يتصوره الآخرون. ومع مرور السنوات، تزداد خشونته، ورغم ظهوره بمظهر الإنسان الحر، يشعر بأنه سجين داخليًا.

لم يكن يخطط لكل هذا؛ كان يريد فقط التعبير عن نفسه بالغناء. لذلك يبدو سؤاله في نهاية الأغنية: «بسأل إيه اللي هيحصل لو ما كانش فيه ميلوديز؟» أكثر من مجرد سؤال موسيقي؛ فهو يتساءل ضمنيًا عن حياته لو لم تكن الموسيقى موجودة.

8. ألاعيب

ينقسم التراك إلى جزأين؛ أولهما ينتمي إلى تقاليد الراب القائمة على التحدي والتفاخر بالإنجازات، بينما تأتي الخاتمة لتكشف الوجه الآخر لبابلو، حين يقول: «وفي آخر المطاف، كونك حقيقي مش هيكسبك جوايز، مش هتكسب حاجة غير الجروح».

هذه النهاية لا تكتفي بتلخيص فلسفة الألبوم، بل تمهد موسيقيًا للأغنية التالية، من خلال استخدام الخاتمة جسرًا انتقاليًا «Bridge» تتواصل موسيقاه مع بداية «إيش ليبي إس». إنها إحدى العلامات التي تكشف أن ترتيب الأغاني جزء من البناء الفني، وليس مجرد اختيار لقائمة تشغيل.

9. إيش ليبي إس

يبدأ التراك من الموسيقى التي انتهت بها «ألاعيب»، ويواصل بابلو هجومه على الوسط الموسيقي، الذي يراه عالمًا تحكمه المصالح وتغيب عنه الصداقة الحقيقية.

وعلى مستوى الأداء، يقدم واحدة من أقوى لحظاته في الألبوم، مستغلًا قدرته على مزج الكلمات العربية والإنجليزية بسلاسة، مع تنويع نبرات صوته وإيقاع تدفق الكلمات داخل الـ«Verse». هنا تتكامل المهارة التقنية مع الحالة النفسية للشخصية التي لا تستطيع التكيف مع محيطها.

10. المبدأ

ينتقل بابلو من نقد الوسط الموسيقي إلى انتقاد ظواهر اجتماعية على منصات التواصل، خصوصًا البث المباشر «Live»، الذي يرى أن بعض ممارساته تدفع الإنسان إلى إهدار كرامته مقابل الأموال واللايكات والمشاركات.

الأغنية امتداد لنظرته الساخطة إلى المجتمع، لكنها تنقل الصراع من حدود تجربته الشخصية إلى سلوكيات يرفضها في العالم المحيط به.

11. مسرحية

كما ربط «إيش ليبي إس» بالأغنية السابقة، يبدأ بابلو «مسرحية» من الموسيقى التي أنهى بها «المبدأ»، ليؤكد وحدة البناء بين التراكات.

يشبه حياته بالمسرحية، وتكشف أصوات الضحك المستخدمة في التوزيع عن طابع كوميدي ساخر يتناقض مع سوداوية الكلمات. كما يواصل نقده الطبقي للأغنياء، قائلًا: «حتى اللضا عمو أبو كرش هابشه»، مستعينًا بصورة الكرش باعتبارها رمزًا للثراء والامتيازات، وهي صورة مألوفة في الثقافة المصرية، استخدمها أحمد فؤاد نجم في نقد الطبقات الميسورة، ومنها قصيدته «يعيش أهل بلدي».

12. هانت

يختتم بابلو الألبوم باستدعاء ديني يعيدنا إلى بدايته، لكنه لا يقدم إجابات حاسمة عن أزمته. يقول: «عايز أعرف إجابات كل الأسئلة اللي جاتلي في الطريق»، ثم يناجي ربه عندما ينفد صبره، قبل أن ينهي الأغنية بعبارة «هانت، كل محنة وليها آخر».

لكن هل انتهت المحنة فعلًا؟ وهل سيعود إلى الاعتزال مجددًا؟ يترك بابلو السؤال مفتوحًا، لتصبح النهاية الغامضة امتدادًا طبيعيًا لحكاية لم تصل إلى حل نهائي.

موسيقى الصراع

لا يعتمد تماسك «آخر قطعة فنية» على الكلمات وحدها، بل يمتد إلى التوزيع والأداء. موسيقيًا، يتحرك الألبوم بين إيقاعات الـ«Hip-Hop» والـ«Trap» والـ«Electro»، مع توظيف المؤثرات الصوتية لخدمة المعنى؛ من الصرخات البشرية في «آمان»، إلى أصوات إطلاق النار في «الحلال»، وصولًا إلى ضحكات الجمهور في «مسرحية»، والصرخة التي تعبر عن النار الداخلية في «ماطفتش».

والأهم هو استخدام بابلو صوته بوصفه أداة لتجسيد الصراع النفسي. فإلى جانب صوته الأساسي المعالج بتقنية «Auto-Tune»، يوظف صوتًا ثانويًا باستخدام مؤثرات «Reverb» و«Phaser»، ليخلق إحساسًا بوجود صوتين داخل الشخصية الواحدة. ليست المسألة استعراضًا للتقنيات، بل توظيفًا لها في بناء المعنى، بحيث يصبح التوزيع نفسه جزءًا من الحكاية.

كيف تصنع ألبومًا؟

«آخر قطعة فنية» نموذج واضح للألبوم المفاهيمي «Concept Album»، الذي لا يكتفي بجمع أغنيات ناجحة، بل يبني قصة تتطور من البداية إلى النهاية. لدينا شخصية ذات ماضٍ مثقل بالفقر، تصل إلى الشهرة والثراء، لكنها تكتشف أن النجاح لم يحررها من أزماتها، فتظل عالقة بين الرغبة في الاستمرار والشعور بالذنب.

كل أغنية تمثل مرحلة في هذا الصراع، ولذلك يؤدي ترتيبها دورًا أساسيًا في اكتمال التجربة. حذف أي تراك من هذا السياق قد يخل بتدرج الحكاية أو يضعف الانتقال بين مراحلها.

ويمتد الترابط إلى السرعات الموسيقية، التي تتراوح بين 73 و121 نبضة في الدقيقة؛ فـ«آمان» بسرعة 87، و«ضحية» 78، و«الحلال» 121، و«ماطفتش» 80، و«ليلي ياه» 120، و«DDDD» 73، و«ميلوديز» 80، و«ألاعيب» 98، و«إيش ليبي إس» 115، و«المبدأ» 112، و«مسرحية» 117، و«هانت» 100. ورغم اختلاف السرعات، لا يفقد الألبوم هويته، لأن الترابط قائم على القصة والتوزيع وطريقة الانتقال بين الأغنيات، وليس على تشابه الإيقاعات وحده.

ومن أبرز عناصر التجربة اتصال نهايات بعض الأغنيات ببدايات ما يليها، كما حدث بين «ألاعيب» و«إيش ليبي إس»، وبين «المبدأ» و«مسرحية». وهنا لا نتعامل مع أغانٍ منفصلة جُمعت في ألبوم، بل مع بناء موسيقي يتعمد خلق الاستمرارية بين أجزائه.

لهذا، فإن قيمة «آخر قطعة فنية» لا تتوقف عند نجاح أغنية منفردة أو انتشار مقطع على منصات التواصل، بل تكمن في قدرة مروان بابلو على تحويل صراعاته الشخصية إلى تجربة فنية متكاملة، تتعاون فيها الكلمات والأداء والتوزيع وترتيب الأغنيات على رواية حكاية واحدة.

وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين صناعة أغنية ناجحة وصناعة ألبوم له مفهوم واضح؛ وهو الفارق الذي يجعل مروان بابلو، في هذه التجربة، متقدمًا فنيًا على ويجز، مهما اختلفت حسابات النجاح الجماهيري بينهما، خاصة أن ويجز ليس لديه أصلا باع في صناعة الألبومات، وتجاربه مثل "جدول الضرب"، جمهوره المخلص هاجمه بسبب ضعف الاغنيات، وكذلك "عقارب"، صحيح يبدو مترابط كاسماء أغاني والمغزى من هذه الأسماء، ولكن كمواضيع داخل الأغاني، فلا يوجد أي ترابط من أي نوع!

تم نسخ الرابط