رجل المستحيل.. غواص المجاري الذي يواجه الانهيارات الأرضية وينقذ الأرواح ويحلم بتصدير خبرات مصر للعالم
"رجل المستحيل".. يغوص أسفل الانهيارات الأرضية ويقاوم تيارات المياه القذرة لينقذ الأرواح.
مدير إدارة الغوص في شركة مياه الشرب يحلم بتصدير "غواصين المجاري" المصريين إلى العالم.
أسس أول حوض للتدريب على الغوص في مياه الصرف من أجل إعداد المزيد من الكفاءات.
ألف كتابين وحصل على دبلومة إدارة الكوارث وليسانس حقوق وحصد عشرات التكريمات.
اسمه محمد أحمد محمد عبد الوهاب، ووظيفته الغوص في مياه الصرف الصحي، حيث يأنف الناس عن النظر أو حتى الاقتراب، لكن هذا ليس كل شيء بشأن الرجل الذي يمكن أن تصفه بأريحية تامة أنه "رجل المهام الصعبة" حين تقع الانهيارات الأرضية، أو تضرب السيول، أو تضطرب الأمور أسفل الأرض فتبدأ الانهيارات ومظاهر الهبوط الأرض المرعبة، يهرب الجميع، فيظهر هو ليغوص في باطن الأرض من أجل إيقاف كوارث كبرى محتملة، وإنقاذ آلاف الحيوات في صمت تام، يأتي ويرحل دون أن يعرف أحد أن محمد الشهير بـ "ميشو" قد مر من هنا!
قابلته للمرة الأولى في مايو عام 2010، كان قد بدأ لتوه العمر في شركة مياه الشرب الصرف الصحي، وقد أذهلتني تلك النظرة في عيني شاب يرى العالم ساحة له، يتحدث بثقة مذهلة عن أفكار ومشاريع وأحلام، ويعلن عن خططه كغواص مجاري محترف سوف تتحدث الدنيا كلها عن بطولاته خلال سنوات، والحق أنني لم أعتقد أنه سيفعل الكثير مما تحدث عنه، رغم أن تلك النظرة الواثقة والمصرة في عينيه كانت تقول الكثير.


ولم أكن أعلم أننا سنكون على موعد لاحق عقب 16 عاما لأرى أن الشاب المتحمس جدا قد صار كهلا وقد أحرز أكثر مما أراد، حصل شهادات جامعية، وألف كتبا، وأسس مشاريع، لكن أحلامه وخططه وأفكاره المختلفة كليا ماتزال تحمل أكثر، كما أن الجذوة المتقدة بداخله قد ازدادت توهجا ورغبة في إحراز المزيد!
ولع غريب بمهنة خطرة
في 17 أغسطس من العام الجاري لقي عاملين مصرعهم، وأصيب 3 آخرين إثر تعرضهم للاختناق أثناء تنفيذ أعمال تطهير لإحدى غرف الصرف الصحي بقرية القبابات التابعة لمركز أطفيح بمحافظة الجيزة، مأساة تشبه مآسي عديدة مشابهة يلقى خلالها العاملين مصرعهم وتظل المشكلة قائمة وعند تلك النقطة تبدأ مهمة "رجل المستحيل" محمد عبد الوهاب، الذي يشغل حاليا منصب مدير إدارة الغوص بشركة مياه الشرب والصرف الصحي في الجيزة، حيث قام بإنهاء المهمة والتعامل مع الغازات ومخاطر الصرف باحتراف شديد لتنتهي المهمة بخطاب شكر وتقدير له والفريق المعاون في المهمة.
أذكر تلك اللحظة حين قال لي في اللقاء الأول: "كان حلمي الالتحاق بالكلية البحرية" لم يكن ميشو يرى نفسه إلا ضابطا بحريا، وهو ما يسعفه القدر لتنفيذه، فقرر اللجوء إلى البديل، وهو تعلم الغوص على مدار ثلاث سنوات في الإسكندرية على إيدي متخصصين، حيث بدأ من بعدها عمله أسفل المياه في أعمال إصلاح ولحام وتركيب أجزاء من الناقلات والماكينات الضخمة الموجودة في أعماق البحر، وهو عمل يتطلب مهارة شديدة في مهام توصف بالانتحارية تتم بالكامل أسفل المياه المظلمة، حيث لن يسعفك إلا السرعة والمهارة وإلا فالوفاة محققة.


ومن الإسكندرية إلى القاهرة قرر "ميشو" أن يبدأ حياة جديدة، يرسمها هو بنفسه، في الغوص لكن هذه المرة ليس في "المتوسط" كما اعتاد وإنما في بحور الصرف الصحي أسفل البيوت وأقدام المارة بين القاهرة والجيزة وربما أبعد، مازال يذكر المرة الأولى التي غاص فيها داخل بالوعة: "كانت في شارع البكباشي شرابي، حين عجز عمال أحد الشركات الكبرى عن إصلاح مشكلة بالمواسير تحت الأرض، وخاف آخرون من النزول بسبب وجود انهيار أرضي كان من المتوقع أن يتكرر"، كان الموقف بحاجة إلى "فدائي" وقد تقدم "ميشو" وقتها ليصنعها على طريقته وتبدأ رحلته منذ ذلك العام وحتى اليوم حيث صار الفدائي أو قل "رجل المستحيل" الذي يواصل النزول أسفل الانهيارات الأرضية، حيث الاحتمالات لا نهائية لأن تطبق عليه طبقات التربة المنهارة، لكن لا مفر، يغامر رجل المستحيل ويغوص لأسفل كي يغلق سريان المياه، و إيقاف أي تسريب لمنع أي انهيارات بالتربة، ليبقى السؤال: "ماذا لو لم يفعلها ميشو؟"
ليسانس ودبلومة وكتب من تأليف "الغواص الطموح"
إتقان رشحه غير مرة للسفر إلى الخارج، لكنه يذكر تلك المرة التي قرر من بعدها أنه لن يذهب إلى أي مكان: "كنت على وشك السفر، لكنني فوجئت بطريقة تعامل غير لائقة وأسلوب حديث متدن، فرفضت الفرصة رغم أنها كانت مغرية للغاية، لكنني أختار كرامتي كل مرة، رحلت عن الإسكندرية هربا من معاملة لم تعجبني، ولم أرض لنفسي يوما أن يعاملني أحد بأسلوب لا يعجبني".
عزة نفس استثنائية لدى الرجل الذي حدثني عام 2010 عن نيته الحصول على ليسانس الحقوق فقابلته عقب 16 عام لأجده قد حصل على ليسانس الحقوق، ودبلومة في إدارة الكوارث، فضلا عن مزيد من الدورات في الغوص.


وأكتشف أيضا أنه لم يكتف بالتحذير من الأمراض التي تصيب العاملين في المجال كالفشل الكلوي، والحساسية والأمراض الفيروسية ومضاعفات البصر، لكنه قام بتأليف مجموعة من الكتب لتأمين العاملين في مجال الغوص في الصرف الصحي بعدما لاحظ أن أغلب حوادث الوفيات من عمال شركات المقاولات لعمال ليس لديهم خبرة الغوص في تلك النوعية من المياه، كتاب للإعداد النفسي للغواص التقني الذي يعمل في الصرف، وكتاب حول التعامل مع الغازات الخطرة في الصرف الصحي والمسئول عن وفاة العشرات سنويا من عمال شركات المقاولات.
يملك "ميشو" الكثير من خطابات الشكر وشهادات التقدير لجهوده الاستثنائية، التي يحتل فيها اسمه الموقع الأول وسط مجموعات أسماء المشاركين في أعمال الإنقاذ وتنفيذ المهام الخطرة، لكن هذا لم يثنيه عن أحلام عديدة ماتزال في جعبته.
من "ميشو" إلى "رئاسة الجمهورية"
هدف رئيسي يتحدث عنه دون توقف وفي كل مناسبة: "هدفي أن تكون مصر رائدة في مجال الغوص في مياه الصرف، عبر مركز تدريب احترافي لتدريب عمالة أكثر على الغوص في المياه الملوثة والخطرة، وإرسالهم للعمل في الدول العربية والأوروبية" لا يرغب محمد أن ينتهي أمر الغواصين المحترفين برحيل غواص أو تقاعده، يتمنى أن تكون هناك منظومة ثابتة واضحة للتعليم والتدريب، لهذا قام بعمل أول"حوض تدريب" في الشركة وبدأ بالفعل التأسيس للفكرة التي يرى أنها لا تحتاج إلا لمزيد من الدعم والاهتمام حتى تتحول إلى حقيقة، يقول: "عملنا حوض للتدريب جوه محطة الصرف الصحي في محطة زنين، النموذج فكرتي وتصميمي، وهو أول حوض زجاجي في مجال غطس الصرف الصحي".
لكن هذا ليس كل شيء، فقد ابتكر ميشو قطع طول تشبه "المكعبات، والبازل" يتمنى لو يتم اختبارها واعتمادها في أعمال البناء أسفل المياه، لتوفير الوقت والجهد والخامات، مؤكدا استعداده لاختبارها وقدرتها على آداء مهام كبرى في وقت وجيز.




سر "ميشو"
لعل الأمر الأبرز بشأن محمد أحمد محمد عبد الوهاب أنه لا يتوقف عن التعلم، الرجل الخمسيني يتعامل بحماس شاب مازال في العشرين، هكذا يواصل تعلم تقنيات الذكاء الاصطناعي، كي يقوم بتقدم مقاطع فيديو تشرح أدق التفاصيل بشأن المهنة للمتعلمين الجدد، يحاول الوصول إلى طرق تخاطب العمال البسطاء من أجل تطوير مهارات من دون جهد كبير: "أجيب العامل البسيط وادخله المعلومات في فيديو واقوله اتفرج وقولي انت فهمت ايه من الفيديو، أنمي عنده عنصر الفكر والملاحظة وانه يقدر يحفظها في دماغه".
يصف الخطوات التي قطعها بـ "المنظومة" ويتأمل كل تلك الكوارث التي تقع في دول عربية عديدة، سيول، وانهيارات ومشكلات كبرى تواجه الكثيرين في البنية التحتية، بحاجة إلى عنصر مهني محترف تملك مصر بجدارة: "دلوقتي بقى في غواصين مجاري كتير، والمجال ده مهم جدا، بيمس البنية التحتية، وبيكون سبب في وقف كوارث كبرى"، لكن ربما السر الحقيقي بشأن الرجل هو تلك الجملة التي يقولها باقتناع تام: "طالما الواحد حابب شغلته وكاره هايديلها كل اللي عنده وأكتر".