سباعية ويجز ومروان بابلو.. من هو الأب الروحي للتراب؟
في عام 2019، أنتجت منصة «معازف» تراكًا جماعيًا شارك فيه عدد من نجوم الراب وقتها، وهم، دون ترتيب: رابتور، وابن حسني، وهيكل، ومروان بابلو، وشب جديد، وعلاء فيفتي، والناظر، وشاهين.
بمعايير النجومية وقتها، كان شاهين هو الأبرز بين هذه الأسماء؛ فهو أحد أعضاء فريق «واي كرو»، أحد أهم فرق الراب المصري والعربي في حقبة الـ«أولد سكول»، قبل ظهور الموجة الجديدة من الراب، التي ستغير شكل المنتج الغنائي لهذا النوع من الموسيقى، وتوسع قاعدته الجماهيرية، وتنقله من دائرة الجمهور المتخصص المحدود، الذي ربما لا يستمع إلا إلى الراب، إلى «جونرا» موسيقية ذات شعبية واسعة، أصبح نجومها معروفين على الساحة الغنائية، ويقدمون إعلانات تجارية لكبرى الشركات المصرية.
لكن المفارقة أن مروان بابلو ربما كان الأكثر استفادة من هذه التجربة، التي قامت على التنافس في الأداء الحر، ورص الكلمات أمام الكاميرا دون تجهيزات مسبقة. كان ظهوره لافتًا للغاية، وقدم أداءً متميزًا أعلن به عن نفسه كرابر يمتلك مستقبلًا واعدًا.
المفارقة الأخرى أن ويجز كان من بين الحضور، لكنه لم يغنِّ ولم يقدم أي أداء، بل ظهر في الفيديو المصور وهو يتراقص وسط الحضور ويشجع زملاءه. وبعد ذلك، ظهرت تسريبات تفيد بأنه قدم بالفعل أداءً مثل بقية المشاركين، لكنه لم يكن موفقًا، وقيل إنه طلب حذف مشاركته خوفًا من المقارنة التي ستفرضها جماهير الراب، التي لا ترحم أحدًا. فالمقارنات بين تجارب الأداء الحر هي الأشرس جماهيريًا، لأنها تكشف الفروق بين الرابرز في سرعة البديهة، والقدرة على التلاعب بالكلمات أمام المنافسين، والتحكم في إيقاعها بما يتناسب مع «تيمبو» الموسيقى.
وهذه ليست الواقعة الوحيدة التي لم يُوفق فيها ويجز في منافسات الأداء الحر أمام زملائه؛ فقد خاض من قبل «باتل» أمام سانتا، وانتهى، بحسب الروايات المتداولة، بهزيمته، وسط ارتباك على المسرح وصل إلى حد الإغماء، قبل أن يطلب أيضًا حذف الفيديو، كما أشيع، حتى لا يبقى أداؤه متاحًا للمقارنة الجماهيرية مع منافسه.
العلاقة بين ويجز وبابلو معقدة؛ فقد بدأ الاثنان رحلتيهما في توقيت متقارب، وينتميان إلى الإسكندرية، كما جمعتهما، تقريبًا، أغنيتان تعاونَا فيهما خلال البدايات.
وحتى الآن، لا يزال التنافس الجماهيري قائمًا بينهما. صحيح أن ويجز أكثر شهرة لدى قطاعات أوسع من الجمهور العام، لكن داخل مشهد الراب نفسه، يمتلك بابلو مكانة استثنائية، ويبدو أكثر ارتباطًا بهوية النوع الموسيقي الذي يقدمه، وأكثر إخلاصًا لقواعده وتقاليده الفنية.
وبين الاثنين، هناك سبع نقاط رئيسية تكشف الاختلافات الجوهرية بين مدرستين غنائيتين، يمثلهما اثنان من أبرز أبناء جيلهما في الموسيقى المصرية.
سباعية ويجز ومروان بابلو.. من هو الأب الروحي للتراب؟
يلقّب مروان بابلو، داخل أوساط محبي الراب، بالأب الروحي للتراب. ولمن لا يعرف ما هو الـ«Trap» من الأساس، فهو بناء موسيقي له خصائصه الواضحة، أبرزها الاعتماد على الـ(Hi-hats) بتقسيمات سريعة ومتتابعة، وتغييرات مفاجئة في الإيقاع، مثل الـ(Rolls) والـ(Triplets).
أما الـ(Kick)، فتأتي في هذا القالب الموسيقي بترددات منخفضة، وأحيانا تتزامن مع حركة خط الباس، وأحيانا تأتي متقطعة. كذلك يُعد الـ808 Bass من العلامات المميزة لهذا الشكل الموسيقي، الذي تتراوح سرعاته غالبا بين 130 و150 BPM.
ومن تابع الراب المصري جيدا، سيجد أنه قبل ظهور بابلو، كان المشهد يعتمد في جانب كبير منه على شكل الـ(Old School)، لكن مع تراكاته «الغلاف وأوزوريس»، ثم «الجميزة» و«فري»، أصبح للراب المصري هوية موسيقية جديدة، وهذه الهوية لم تكن موسيقية فقط، بل صاحبها تصور بصري مغاير تماما.
الأهم أن بابلو لم يقدم مجرد أصوات جديدة، بل ساهم في تغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى الراب باعتباره مشروعا فنيا متكاملا، تتداخل فيه الموسيقى مع الصورة والأزياء وطريقة الظهور أمام الجمهور، فلم يعد نجاح التراك مرتبطا بالفلو والكلمات والإيقاع وحدها، بل أصبحت التفاصيل البصرية جزءا من هوية الفنان، وعنصرا أساسيا في بناء عالمه الخاص.
فقد أحدث بابلو ثورة في طريقة تصوير الكليبات، واختيار الملابس، وتقديم الأداء البصري، خصوصا في «الجميزة»، التي مزج فيها التراب بالموسيقى الشعبية المصرية. كما اعتمد الكليب على قصة مصورة أقرب إلى الفيلم القصير، في تجربة حققت الأغنية من خلالها نجاحا جماهيريا ساحقا وقتها.
وبمرور الوقت، تحولت هذه التجربة إلى واحدة من معادلات النجاح في الراب المصري؛ فإذا أردت تقديم أغنية جماهيرية ناجحة، فعليك تطبيق معادلة «بابلو ومولوتوف»، بمزج التراب بالشعبي، لتحقق ملايين الاستماعات والمشاهدات. وهي المعادلة التي طبقها ويجز في واحدة من أشهر أغانيه، «دورك جاي»، وهي التي بسببها عرف جماهيرًا لدى العامة.
وهنا تكمن أهمية تجربة بابلو؛ فهو لم يكتف بتقديم أعمال ناجحة، وإنما ساهم في توسيع حدود النوع الموسيقي نفسه، وأثبت أن الراب قادر على الاقتراب من الذائقة الشعبية من دون التخلي عن لغته البصرية والموسيقية الخاصة. وهذا ما جعل تأثيره يتجاوز جمهوره المباشر، ليصل إلى فنانين حاولوا الاستفادة من المساحة التي فتحها بين موسيقى الشارع والانتشار الجماهيري.
أما «فري»، فيعتبرها كثيرون من جمهور الراب، حتى هذه اللحظة، أفضل عمل مصور في تاريخ هذا المشهد، بل يرون أنها تتفوق على كل الإصدارات التي جاءت بعدها وحتى وقتنا هذا.
ولذلك، وبشكل أو بآخر، فإن كل المنتمين إلى الموجة الجديدة من الراب في مصر يسيرون وفق قواعد النجاح التي أرساها بابلو، وفتح بها الباب أمام الآخرين، بما فيهم ويجز نفسه!.