إلغاء الرقابة وإعادة النظر في الأفلام المرفوضة.. إليكم مستقبل حرية الإبداع في نظر النقاد
بين حرية الإبداع وحدود الرقابة، يظل السؤال حاضرًا كلما واجه عمل فني قرارًا بالمنع أو الحذف، أو أثار جدلًا حول الموضوعات التي يتناولها، من يملك حق تحديد ما يشاهده الجمهور؟، وهل تكمن وظيفة الرقابة في حماية المجتمع، أم أن دورها يجب أن يقتصر على تنظيم المشاهدة وترك حرية الاختيار للجمهور؟ أسئلة تتجدد مع اختلاف وجهات النظر حول طبيعة الرقابة على المصنفات الفنية، ومدى قدرتها على مواكبة تطورات المجتمع والسينما.
وفي هذا التقرير، يطرح موقع وشوشة سؤالًا على عدد من النقاد وصناع السينما: ماذا لو أصبحتم مسؤولين عن الرقابة على المصنفات الفنية؟، ما أول قرار ستتخذونه؟، وما الأفلام التي تستحق إعادة المشاهدة بعد رفضها أو منعها؟.
جاءت الإجابات مختلفة، بين من يرفض الرقابة بمفهومها التقليدي، ومن يدعو إلى اعتماد التصنيف العمري، ومن يطالب بإعادة النظر في الأعمال المرفوضة، إلى جانب مقترحات لتطوير آليات اتخاذ القرارات الرقابية، بما يفتح النقاش حول مستقبل العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية تجاه الجمهور.
طارق الشناوي: لو أصبحت رقيبًا سأستقيل.. والرقابة أحيانًا تحمي المسؤول وليس الشعب
اتخذ الناقد الفني طارق الشناوي موقفًا حاسمًا من فكرة تولي مسؤولية الرقابة على المصنفات الفنية، مؤكدًا أنه إذا أصبح رقيبًا فسيكون أول قرار يتخذه هو الاستقالة، قائلًا: هستقيل من الرقابة، تعبيرًا عن رفضه لمفهوم الرقابة بالشكل المتعارف عليه في مصر.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، أوضح طارق الشناوي أنه يعارض المنظومة الرقابية الحالية من حيث فلسفتها وآليات عملها، معتبرًا أن الرقابة تعاني، من وجهة نظره، من قصور في الرؤية، وأن دورها يتحول أحيانًا إلى إخفاء الحقائق بدلًا من إتاحة المجال لمناقشتها، مضيفًا أن بعض الممارسات قد تستهدف حماية المسؤول بدلًا من حماية الشعب.
وتطرق طارق الشناوي إلى تاريخ الرقابة في مصر، مشيرًا إلى أنها كانت تتبع وزارة الداخلية قبل عام 1954، موضحًا أن انتقال تبعيتها لاحقًا إلى وزارة الثقافة لم يمنع، بحسب رؤيته، استمرار تأثير بعض الأفكار المرتبطة بالنهج الأمني في قراراتها.
ويرى طارق الشناوي أن تطوير المنظومة يتطلب تغيير الفلسفة التي تحكم التعامل مع الأعمال الفنية، مع ضرورة تطبيق القانون بصورة واضحة، بما يضمن عدم تحول الإجراءات الرقابية إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير أو حجب الموضوعات التي تحتاج إلى النقاش.
ماجدة خير الله: لا أؤمن بوجود الرقابة.. والتصنيف العمري هو الحل
من جانبها، تتبنى الناقدة الفنية ماجدة خير الله موقفًا رافضًا لفكرة الرقابة على الأفلام من الأساس، معتبرة أن التصنيف العمري يمثل بديلًا يسمح بتنظيم مشاهدة الأعمال الفنية دون التدخل في محتواها أو فرض وصاية على الجمهور.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، قالت ماجدة خير الله إنها لا ترى نفسها مناسبة لتولي مسؤولية الرقابة، موضحة:"أنا لا أصلح للرقابة، لأنني من وجهة نظري لا أؤمن بوجود شيء اسمه رقابة من الأساس".
وأوضحت ماجدة خير الله أن بعض الدول تعتمد على تحديد الفئة العمرية المناسبة لكل فيلم، مع توضيح طبيعة المحتوى الذي يتضمنه، سواء كان يحتوي على مشاهد عنف أو مشاهد جريئة، بدلًا من حذف المشاهد أو فرض قيود على العمل.
وأكدت ماجدة خير الله أن هذا النظام يمنح المشاهد حرية اتخاذ قراره بنفسه، وفقًا لما يناسبه ويناسب أسرته، بدلًا من منع الجمهور من مشاهدة العمل كاملًا.
وعن أفضل المسؤولين الذين تولوا الرقابة من وجهة نظرها، أشارت ماجدة خير الله إلى أن مصطفى درويش كان الأفضل بالنسبة إليها، رغم أنها لم تتعامل معه بصورة مباشرة.
وائل حمدي: سأوافق على جميع الأفلام والمسلسلات كما هي
أما السيناريست وائل حمدي، فيرى أن الموافقة على الأعمال الفنية كما هي، مع وضع تصنيف عمري ملائم، يمكن أن تمثل بديلًا عن التدخل في محتواها بالحذف أو التعديل.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، كشف حمدي عن أول قرار سيتخذه إذا تولى منصب مدير الرقابة على المصنفات الفنية، قائلًا إنه سيصدر تعليمات داخلية بالموافقة على جميع الأفلام والمسلسلات المقدمة كما هي، مع تحديد التصنيف العمري المناسب لكل عمل.
وتقوم رؤيته على إتاحة الفرصة أمام الجمهور لاختيار ما يناسبه من أعمال، مع مراعاة الفروق العمرية بين المشاهدين، بدلًا من تغيير المحتوى الفني قبل عرضه.
ويضع هذا المقترح التصنيف العمري في قلب النقاش حول مستقبل الرقابة، باعتباره أحد البدائل المطروحة لتحقيق التوازن بين حرية صناع الأعمال وحق الجمهور في معرفة طبيعة المحتوى الذي يشاهده.
محمد هشام عبية: سأعيد النظر في الأفلام المرفوضة.. والبريء يستحق المشاهدة مجددًا
وفي اتجاه آخر، يركز السيناريست محمد هشام عبية على مراجعة القرارات الرقابية السابقة، خاصة تلك التي أدت إلى رفض أفلام في مرحلة السيناريو قبل وصولها إلى الجمهور.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، قال عبية إن أول قرار سيتخذه إذا تولى منصب الرقيب هو إعادة النظر في جميع الأفلام التي رُفضت في مرحلة السيناريو، ومحاولة إيجاد مسار يسمح بخروجها إلى الشاشة.
وأوضح أنه لا يرى أن منع الأفلام من العرض هو الحل، لكنه أشار إلى أنه لا يعتقد أيضًا أن قرار السماح بعرض جميع الأعمال يقع ضمن صلاحياته التي يمكنه اتخاذها بشكل منفرد.
وعن الأفلام التي يرغب في إعادة مشاهدتها، ذكر عبية فيلم البريء، الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه عاطف الطيب، ضمن الأعمال التي يرى أنها تستحق إعادة النظر والمشاهدة، بما يفتح باب النقاش حول القرارات الرقابية وتأثيرها على الإبداع السينمائي.
كما تحدث عن تجربته مع الرقابة، مشيرًا إلى أن المخرج والسيناريست عبد الرحيم كمال كان أفضل رقيب تعامل معه، موضحًا أن خلفيته ككاتب سيناريو وفنان كانت تجعله يحاول الانتصار لروح الفن، رغم القيود التي فرضتها عليه متطلبات الوظيفة.
يحيى إسماعيل: أتمنى أن تتحول الرقابة إلى هيئة تضم مختلف فئات المجتمع
ويطرح المخرج يحيى إسماعيل تصورًا مختلفًا لتطوير المنظومة الرقابية، يقوم على توسيع قاعدة المشاركين في اتخاذ القرارات، بدلًا من اقتصارها على رؤية واحدة.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، قال يحيى إسماعيل إنه إذا تولى منصب الرقيب، فسيكون أول قراراته تحويل الرقابة إلى هيئة تضم ممثلين عن مختلف طبقات المجتمع واتجاهاته، على غرار لجان المحلفين، بحيث تتولى مشاهدة الأعمال الفنية ومناقشتها واتخاذ القرارات المتعلقة بها.
ويرى أن تنوع الخلفيات والآراء داخل الهيئة من شأنه أن يتيح مناقشة الأعمال من زوايا متعددة، بدلًا من أن يتوقف مصير العمل على وجهة نظر فردية.
وعن طبيعة الأفلام التي قد يتحفظ على عرضها، أوضح يحيى إسماعيل أنه لا يفضل الأعمال التي تقدم التنازل الأخلاقي أو الاعتداء على حقوق الآخرين باعتبارهما طريقًا للنجاح، من دون إظهار الثمن النفسي الذي يدفعه الإنسان نتيجة التخلي عن مبادئه أو الحصول على ما ليس من حقه.
وأشار إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد تقديم سلوكيات خاطئة على الشاشة، وإنما بكيفية معالجتها دراميًا، ومدى إظهار نتائجها وتأثيرها على الشخصيات.
أما عن الأفلام التي يرغب في إعادة مشاهدتها بعد منعها رقابيًا، فأكد اهتمامه بالأعمال التي تنتقد المجتمع أو طريقة إدارته، وتسلط الضوء على أوجه الخلل، موضحًا أنه يفضل إعادة النظر في أي فيلم تعرض للمنع بسبب محاولته طرح هذه القضايا.
وعن تجاربه مع الرقابة، أشار إلى أن فترة تولي عبد الرحيم كمال المسؤولية شهدت مساحة للتواصل ومراجعة القرارات، معربًا عن أمله في استمرار هذا النهج.
يحيى حمزة: تسهيل تصوير الأفلام العالمية في مصر أولوية.. والأعمال يجب أن تحترم المشاهد
ومن زاوية أخرى، يربط المؤلف يحيى حمزة بين تطوير التعامل مع الأعمال الفنية والاستفادة من السينما في الترويج للمقاصد السياحية المصرية، إلى جانب اهتمامه بجودة الأفلام ومضمونها.
وفي تصريح خاص لـ"وشوشة"، قال حمزة إنه إذا تولى منصب الرقيب، فسيحاول التواصل مع الجهات المعنية لتسهيل إجراءات التصوير داخل المنشآت السياحية، بهدف جذب المزيد من إنتاجات الأفلام العالمية إلى مصر وإبراز ما تتمتع به البلاد من مواقع جمالية.
وأوضح أنه يدرك أن تسهيل إجراءات التصوير قد لا يكون من الاختصاص المباشر للرقيب، لكنه سيحاول العمل على هذا الملف، مع الدعوة إلى وجود دعم من الدولة وتخفيف الرسوم والإجراءات المرتبطة بالتصوير، بما يشجع شركات الإنتاج العالمية على اختيار مصر.
وعن معاييره لتقييم الأفلام، أكد أنه لا يفضل الأعمال التي لا تقدم مضمونًا حقيقيًا أو لا تحترم المشاهد، مشيرًا إلى أن الفيلم السطحي الذي يفتقر إلى التكنيك الفني المناسب قد لا يكون على المستوى الذي يليق بالسينما المصرية.
وأضاف أن بعض الأعمال تُنفق عليها ميزانيات كبيرة، لكن نتائجها النهائية لا تأتي بالمستوى المتوقع، وهو ما يستدعي الاهتمام بجودة التنفيذ والمضمون.
وفيما يتعلق بالأفلام الممنوعة سابقًا، أوضح حمزة أنه لا يرى نفسه في موقع يسمح له بالتدخل في قرارات اتخذها مسؤولون سابقون لمجرد توليه المنصب.
كما أعرب عن ارتياحه للتعامل داخل جهاز الرقابة خلال الفترة الحالية، مشيرًا إلى أنه لمس تغييرًا إيجابيًا مع تولي الدكتور جمال عيسى المسؤولية، وأشاد بطريقة تعامل العاملين والمتخصصين مع صناع الأعمال الفنية.
إلهام شاهين: يئست من الصراعات.. والأمل في الأجيال القادمة
وفي سياق الحديث عن الأفلام التي تواجه قرارات الرفض الرقابي، كشفت الفنانة إلهام شاهين عن تجربتها مع الرقابة، مشيرة إلى أنها تقدمت بفيلمين لم يحصلا على الموافقة، لكنها لم تحاول تقديمهما مرة أخرى بسبب شعورها بالإحباط وفقدان الأمل في الإصلاح.
وقالت إلهام شاهين في تصريح خاص لـ"وشوشة" بشأن الفيلمين وأسباب عدم إعادة تقديمهما: خلاص يئست، وما بقاش عندي نفس للصراعات ولا أمل في الإصلاح، حتى شركة الإنتاج أوقفت نشاطها، أنا بحارب لوحدي في معركة خاسرة.
وكشفت إلهام شاهين عن اسمي الفيلمين، وهما الأخت ماري وشرط المحبة، في إشارة إلى الصعوبات التي واجهتها خلال محاولاتها تقديم أعمالها الفنية.
واختتمت حديثها قائلة: "ربنا معانا، والأمل في الأجيال القادمة إن شاء الله"، معربة عن أملها في أن تشهد الفترة المقبلة تغيرًا يتيح لصناع السينما مساحة أكبر لتقديم أعمالهم، بعيدًا عن الصراعات التي قد تعرقل وصولها إلى الجمهور
ويأتي حديثها ليضيف جانبًا آخر إلى النقاش حول العلاقة بين الرقابة وصناع السينما، يتمثل في أهمية وجود مسؤول يمتلك خلفية فنية ويدرك طبيعة العمل السينمائي واحتياجاته، ويضع مصلحة الفيلم في اعتباره عند التعامل مع القضايا الرقابية.
الرقابة بين حرية الإبداع وحق الجمهور في الاختيار
تكشف آراء النقاد وصناع السينما عن اختلاف واضح في تصوراتهم لمستقبل الرقابة على المصنفات الفنية؛ فبينما يرفض طارق الشناوي مفهومها التقليدي، وتدعو ماجدة خير الله ووائل حمدي إلى الاعتماد على التصنيف العمري، يركز محمد هشام عبية على إعادة النظر في الأفلام المرفوضة، ويقترح يحيى إسماعيل تشكيل هيئة تضم اتجاهات مجتمعية متنوعة، فيما يطرح يحيى حمزة رؤيته لتطوير التعامل مع صناعة السينما وتسهيل التصوير في مصر.
ورغم اختلاف المقترحات، تلتقي هذه الرؤى عند أهمية مراجعة آليات التعامل مع الأعمال الفنية، وفتح مساحة للنقاش حول المعايير التي تحكم قرارات المنع والحذف، والحدود الفاصلة بين تنظيم المشاهدة والتدخل في حرية الإبداع.
ويبقى السؤال الأهم، هل يمكن الوصول إلى منظومة تضمن احترام القانون، وتراعي اختلاف الفئات العمرية، وتحافظ في الوقت نفسه على حق صناع السينما في تقديم رؤاهم الفنية؟، سؤال تظل الإجابة عنه مرتبطة بالحوار بين الجهات المعنية وصناع الأعمال والجمهور، وبمدى القدرة على تطوير آليات الرقابة بما يتناسب مع طبيعة الفن وتغيرات المجتمع.

