فخار صيني نادر يكشف أسرار تجارة إفريقيا القديمة قبل قرون.. فما القصة؟
كشفت قطع نادرة من الفخار الصيني عُثر عليها في موقع “زيمبابوي الكبرى" الأثري بجنوب شرق إفريقيا عن امتداد شبكة التجارة التي ربطت هذه المملكة الإفريقية القديمة بمناطق بعيدة في آسيا والشرق الأوسط، في دليل جديد على ازدهار التبادل التجاري بين الحضارات قبل قرون طويلة.
وجاء الاكتشاف ضمن أعمال بحث أثري سلط عليها الضوء فيلم وثائقي جديد لقناة PBS بعنوان “Africa’s Golden City”، أو "المدينة الذهبية في إفريقيا"، الذي يتتبع جهود الباحثين في فهم تاريخ واحدة من أبرز الحضارات الإفريقية في العصور الوسطى.
فخار أخضر جاء من شرق الصين
عثر علماء الآثار على شظايا من خزف صيني يُعرف باسم “سيلادون لونغتشيوان”(Longquan celadon)، يتميز بلونه الأخضر الشبيه باليشم وسطحه اللامع. ويعود إنتاج هذا النوع من الخزف إلى مناطق في شرق الصين منذ نحو القرن العاشر الميلادي.
ويرجح الباحثون أن هذه القطع وصلت إلى زيمبابوي الكبرى عبر شبكات التجارة الطويلة التي ربطت شرق آسيا بسواحل المحيط الهندي، ثم انتقلت البضائع من الموانئ إلى المناطق الداخلية من القارة الإفريقية عبر التجار وطرق التبادل الإقليمية.
وأشار عالم الآثار شادريك تشيريكوري، من جامعة أكسفورد، والذي يقود أعمال التنقيب، إلى أن الخزف الصيني عُثر عليه في أجزاء مختلفة من الموقع، لكن بكميات محدودة، ما يفتح المجال أمام احتمال أن تكون هذه القطع من السلع النادرة والثمينة التي وصلت إلى النخبة في ذلك المجتمع.
زيمبابوي الكبرى.. مدينة إفريقية ذات صلات بعيدة
ازدهرت زيمبابوي الكبرى، الواقعة في دولة زيمبابوي الحالية، منذ القرن الحادي عشر وحتى القرن الخامس عشر الميلادي تقريبًا، وكانت مركزًا سياسيًا وتجاريًا مهمًا، اشتهر بعماراته الحجرية المتقنة وأعماله المعدنية ونقوشه الفنية.
ولم يقتصر الدليل على العلاقات التجارية مع الصين؛ فقد عثر الباحثون أيضًا على خرز زجاجي ومواد أخرى تشير إلى وجود صلات مع جنوب شرق آسيا والهند والشرق الأوسط. كما تكشف الأدلة الأثرية عن تبادل للمعادن بين زيمبابوي الكبرى ومناطق أخرى في إفريقيا.
وتوضح هذه المكتشفات أن التجارة لم تكن مجرد تبادل لبضائع محلية، بل شبكة واسعة ساهمت في انتقال السلع والمواد والأفكار عبر مسافات شاسعة، وربطت المجتمعات الإفريقية بمراكز تجارية خارج القارة.
اكتشاف يعيد قراءة التاريخ الإفريقي
تكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل تاريخ الموقع، الذي تعرضت آثاره للنهب خلال الحقبة الاستعمارية، كما واجهت أصوله تفسيرات استعمارية خاطئة أنكرت قدرة المجتمعات الإفريقية المحلية على بناء هذا الصرح الحضاري.
وتساعد أعمال التنقيب الحديثة على تقديم صورة أكثر دقة عن المجتمع الذي بنى المدينة، وعن دوره في التجارة الدولية في العصور الوسطى. كما تتيح دراسة القطع المستوردة فهمًا أفضل لطبيعة العلاقات التي ربطت زيمبابوي الكبرى بالعالم خارج حدودها.
وبينما لا تكشف قطعة فخار واحدة كل تفاصيل رحلة التجارة القديمة، فإن وجودها في موقع يبعد آلاف الكيلومترات عن موطن إنتاجها يقدم دليلًا ملموسًا على أن العالم كان أكثر ترابطًا مما قد توحي به المسافات الجغرافية.