رياض السنباطي.. سر خلافه مع محمد عبد الوهاب وقصة "الأطلال" التي صنعت أسطورته
تحل اليوم ذكرى رحيل الموسيقار رياض السنباطي، أحد أبرز أعلام الموسيقى العربية وأحد عباقرة الزمن الجميل، بعدما ترك خلفه إرثًا فنيًا ضخمًا امتد بين التلحين والغناء والموسيقى، وقدم خلال مسيرته نحو 540 لحنًا متنوعًا، تعاون فيها مع ما يقرب من 120 شاعرًا، إلى جانب نحو 40 مقطوعة موسيقية من تأليفه.
وفي هذا السياق، يرصد لكم "وشوشة" في السطور التالية أبرز محطات حياة الموسيقار رياض السنباطي، وبداياته مع الموسيقى، وكواليس علاقته الفنية بأم كلثوم، إلى جانب تجربته السينمائية والجوائز والتكريمات التي حصدها خلال مسيرته.
رياض السنباطي.. من النجارة إلى عالم الموسيقى
ولد رياض السنباطي عام 1906، وبدأ حياته بعيدًا عن عالم الموسيقى، حيث عمل في النجارة وتنجيد الأثاث، إلا أن شغفه بالفن كان أقوى من أي مجال آخر.
وفي التاسعة من عمره، تعرض لمشكلة في عينه حالت دون استكمال دراسته، وهو ما دفع والده إلى الاهتمام أكثر بتعليمه الموسيقى، خاصة بعدما اكتشف امتلاكه موهبة فنية لافتة.
رافق السنباطي والده في الأفراح والمناسبات، حتى أصبح المطرب الأول في فرقته، واشتهر في بداياته بلقب "بلبل المنصورة"، قبل أن يبدأ خطواته الفعلية نحو الاحتراف.
رياض السنباطي أستاذًا في معهد فؤاد الأول
تقدم رياض السنباطي إلى معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، المعروف حاليًا باسم معهد الموسيقى العربية، رغبة في دراسة أصول الموسيقى والعزف على آلة العود.
لكن موهبته فاجأت أعضاء لجنة التقييم، إذ وجدوا أن مستواه يفوق مستوى طالب يرغب في بدء الدراسة، فصدر قرار بتعيينه أستاذًا لآلة العود والأداء بدلًا من التحاقه كطالب.
ومن هنا بدأ السنباطي مرحلة جديدة في مسيرته، فشارك في حفلات المعهد كعازف، قبل أن يتجه بعد ذلك إلى مجال التلحين بشكل مستقل، ليصبح واحدًا من أهم صناع الموسيقى العربية.
رياض السنباطي ومسيرة موسيقية استثنائية
امتدت أعمال رياض السنباطي إلى العديد من أشكال الموسيقى والغناء، فلم تقتصر موهبته على لون فني واحد، وإنما تنوع إنتاجه بين الأوبرا العربية والأوبريت والإسكتش والديالوج والمونولوج والطقطوقة والأغنية السينمائية والقصيدة والموال.
وخلال مشواره الفني، لحن السنباطي لنحو 120 شاعرًا، وقدم ألحانه لعدد كبير من نجوم الغناء، من بينهم أم كلثوم، ومنيرة المهدية، وفتحية أحمد، وصالح عبد الحي، ومحمد عبد المطلب، وعبد الغني السيد، وأسمهان، وهدى سلطان، وفايزة أحمد، وسعاد محمد، ووردة، ونجاة، وسميرة سعيد، كما تعاون مع عزيزة جلال، التي ارتبط اسمها بآخر أعماله الفنية، ومن بينها قصيدتا "الزمزمية" و"من أنا".
رياض السنباطي وأم كلثوم
جمع لقاء بين رياض السنباطي وأم كلثوم في بداية مشوارهما الفني، خاصة أن الاثنين ينتميان إلى محافظة الدقهلية، وتعارفا في بدايات العمل بالغناء والتلحين، قبل أن تتسع مساحة التعاون بينهما على مدار سنوات طويلة.
وكانت أغنية "على بلد المحبوب وديني" من أوائل الأعمال التي جمعت بينهما، وحققت نجاحًا كبيرًا، لتتوالى بعد ذلك الألحان التي قدمها السنباطي لأم كلثوم.
ووصل عدد ألحانه لها إلى ما يقارب 90 لحنًا، تنوعت بين القصائد والمونولوجات والطقاطيق والأغاني السينمائية، ومن أشهرها "الأطلال"، و"أقبل الليل"، و"من أجل عينيك"، و"الثلاثية المقدسة"، و"أراك عصي الدمع"، و"أقول لك إيه عن الشوق".
"الأطلال" تشعل الخلاف بين رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب
ارتبط اسم رياض السنباطي أيضًا بعدد من المواقف الفنية التي أثارت الجدل، خاصة في ظل النجاح الكبير الذي حققه لحن "الأطلال"، وهو العمل الذي أصبح واحدًا من أشهر ألحانه لأم كلثوم.
وتحدثت بعض الروايات الفنية عن وجود حالة من التنافس والخلاف بين السنباطي والموسيقار محمد عبد الوهاب، وربط نقاد تلك الفترة بين الخلاف وبين النجاح الكبير الذي حققه السنباطي.
ومن بين المواقف المتداولة أن عبد الوهاب شوهد متأثرًا خلال إذاعة حفل "الأطلال"، كما أثيرت واقعة ترشيح السنباطي لجائزة اليونسكو الدولية، وما صاحبها من اعتراضات، قبل أن يحصل الموسيقار بالفعل على التكريم.
رياض السنباطي.. مطرب لم يجد نفسه في السينما
لم تقتصر تجربة رياض السنباطي على الموسيقى والتلحين، إذ خاض تجربة التمثيل السينمائي من خلال ثلاثة أعمال فقط، إلا أنها لم تحقق النجاح الذي حققه في مجال التلحين.
شارك في فيلم "الوردة البيضاء" مع محمد عبد الوهاب، وكان ظهوره خلاله قصيرًا، ثم ظهر في فيلم "حلم الشباب"، قبل أن يشارك في فيلم "حبيب قلبي" أمام هدى سلطان.
وبعد تجربته السينمائية، ابتعد السنباطي عن التمثيل، مؤكدًا: "لم أجد نفسي في التمثيل فاللحن هو عالمي ودنياي"، ليواصل تركيزه على المجال الذي صنع من خلاله اسمه وتاريخه.
رياض السنباطي ضمن أفضل 100 موسيقي في العالم
حظي رياض السنباطي بتقدير دولي كبير، إذ حصل على جائزة من منظمة اليونسكو بعد ترشيحه من الموسيقار التونسي صالح المهدي.
وأشادت اليونسكو بتأثير موسيقاه، باعتباره فنانًا استطاع من خلال أعماله الموسيقية التأثير في منطقة تمتلك تاريخًا حضاريًا عريقًا، ليصبح السنباطي الموسيقار العربي الوحيد الذي نال هذا التكريم وفق ما ورد في المادة التاريخية عنه.
كما صنفه المجلس الدولي للموسيقى في باريس ضمن قائمة أفضل 100 موسيقي في العالم، ليظل اسمه حاضرًا باعتباره واحدًا من أبرز رموز الموسيقى العربية.
ذكرى رحيل رياض السنباطي
رحل رياض السنباطي عام 1981، لكنه ترك وراءه ثروة موسيقية كبيرة جعلت ألحانه حاضرة في ذاكرة الجمهور العربي حتى بعد رحيله، خاصة أعماله التي ارتبطت بأصوات كبار المطربين وفي مقدمتهم أم كلثوم.
وبفضل هذا الإرث، ظل السنباطي واحدًا من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الموسيقى العربية وعن أهم ملحني الزمن الجميل.