بين الحرية والضبط.. هل يحتاج الفنانين إلى “فلترة إعلامية”؟

وشوشة

لم تعد تصريحات النجوم تمر مرور الكرام كما كان الحال في السابق، فمع هيمنة السوشيال ميديا وتحول كل كلمة إلى “تريند” محتمل، أصبح الفنان تحت مجهر دائم، تُحلل تصريحاته وتُفسَّر أحيانًا خارج سياقها، ما يفتح الباب لأزمات متكررة تثير جدلًا واسعًا بين الجمهور.

وخلال الفترة الأخيرة، تكررت مواقف خرج فيها بعض الفنانين بتصريحات وُصفت بأنها غير موفقة، وهو ما أعاد طرح سؤال مهم: هل أصبح الفنانون بحاجة إلى “فلترة إعلامية” تُنظم ظهورهم وتصريحاتهم؟ أم أن ذلك قد يُعتبر تقييدًا لحريتهم وتلقائيتهم التي تُقربهم من الجمهور؟

في هذا السياق، تواصل “وشوشة” مع عدد من النقاد، من بينهم رامي المتولي وحنان شومان وأحمد سعد الدين وشاهندة محمد علي، لرصد رؤيتهم حول هذه الظاهرة، وأسباب تصاعدها، ومدى تأثيرها على صورة الفنان وعلاقته بجمهوره.

وتباينت الآراء بين من يرى أن الأزمة مرتبطة بغياب إدارة إعلامية احترافية، وآخرين يعتبرون أن السوشيال ميديا نفسها أصبحت المحرك الأساسي لصناعة الجدل، بينما ذهب فريق ثالث إلى أن وعي الفنان وثقافته يظلان العامل الحاسم في تجنب الوقوع في فخ التصريحات المثيرة للأزمات.

في التقرير التالي، نرصد لكم أبرز هذه الآراء، ونحاول الاقتراب من إجابة السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يحتاج النجوم فعلًا إلى من “يُفلتر” كلماتهم؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟


يرى الناقد الفني رامي المتولي أن الجدل المثار حول تصريحات بعض الفنانين لا يرتبط بغياب المستشار الإعلامي، بقدر ما يعود إلى دور القائمين على إدارة حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضح أن هناك فئة من المتخصصين في السوشيال ميديا باتت تتحكم بشكل كبير في طبيعة المحتوى الذي يقدمه الفنانون، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من التصريحات المثيرة للجدل تكون في الأساس مدروسة وموجهة بشكل متعمد للجمهور، بهدف تحقيق أكبر قدر من التفاعل.

وأضاف أن ما يُنظر إليه على أنه “جدل سلبي” قد يتحول في الواقع إلى وسيلة فعالة لتحقيق الانتشار والشهرة، خاصة في ظل طبيعة المنصات الرقمية التي تعتمد على التفاعل السريع والواسع.

وأكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في سعي بعض خبراء السوشيال ميديا وراء “التريند” بأي شكل، حتى لو كان ذلك من خلال إثارة الجدل، معتبرًا أن هذا التوجه أصبح أحد أبرز العوامل التي تؤثر على صورة الفنان وتصريحاته في الوقت الحالي.

حنان شومان: إدارة الفنان في مصر لا تزال شكلية.. والمستشار الإعلامي غائب عن دوره الحقيقي

ترى الناقدة الفنية حنان شومان أن مسألة التصريحات المثيرة للجدل ترتبط في الأساس بثقافة الفنان نفسه، مؤكدة أن وجود مستشار إعلامي لا يعني تقييد حرية التعبير، بل تنظيمها بشكل احترافي يضمن معرفة ما يُقال وما يجب تجنبه.

وأوضحت أن أغلب الفنانين حاليًا لديهم مديرو أعمال وشركات تدير نشاطهم، لكن الفارق الحقيقي يظهر عند مقارنة هذا الدور بما يحدث في الخارج، حيث لا يقتصر دور مدير الأعمال هناك على التنسيق أو الجوانب المادية، بل يمتد ليكون “العقل المدبر” الذي يحدد اختيارات الفنان، ويراجع تصريحاته، ويوجهه إعلاميًا بشكل كامل.

وأضافت أن إدارة الأزمات الإعلامية في مصر لا تزال تعاني من غياب هذا الدور الاحترافي، خاصة عندما يقع الفنان في خطأ، إذ يحتاج الأمر إلى شخص متخصص قادر على تصحيح المسار، مشيرة إلى أن هذا النموذج موجود حتى لدى السياسيين في الخارج، حيث يتم إعداد تصريحاتهم وخطاباتهم بعناية.

وأكدت أن ما يحدث محليًا يقتصر غالبًا على إدارة تعاقدات أو اختيار أعمال، دون الاهتمام بالصورة الذهنية للفنان، وهو ما يفسر تكرار الأزمات، لافتة إلى أن بعض الفنانين يعتمدون فقط على ثقافتهم الشخصية، كما كان الحال مع نجوم كبار مثل نور الشريف، الذين امتلكوا وعيًا إعلاميًا طبيعيًا.

واختتمت بأن السوشيال ميديا زادت من صعوبة المشهد، بعدما كشفت جوانب لم تكن تظهر سابقًا، لكنها في المقابل منحت الجيل الجديد وعيًا أكبر بالتعامل الإعلامي، رغم وجود تفاوت في مستويات هذا الوعي.

أحمد سعد الدين: “المستشار الإعلامي” في مصر بلا صلاحيات.. والسوشيال ميديا كشفت أسوأ ما لدى البعض

من جانبه، أكد الناقد الفني أحمد سعد الدين أن المشكلة لا تكمن في غياب المستشار الإعلامي فقط، بل في عدم منحه الصلاحيات الكافية لأداء دوره بشكل فعّال، مشيرًا إلى أن الفنان في النهاية يتصرف وفق رؤيته الشخصية، حتى مع وجود من ينصحه.

وأوضح أن الأزمة الحقيقية تظهر عندما يتحدث بعض النجوم بعفوية زائدة تحت تأثير الحماس، ما يدفعهم للإدلاء بتصريحات غير محسوبة، قبل أن يتراجعوا عنها لاحقًا بتبريرات متكررة، معتبرًا أن هذا النمط يفقد التصريحات مصداقيتها.

وأضاف أن الحل بسيط، وهو أن يدرك الفنان قدراته الإعلامية؛ فإذا لم يكن قادرًا على إدارة الحوار بشكل جيد، فمن الأفضل تجنب الظهور المباشر بدلًا من الوقوع في أخطاء متكررة.

وأشار إلى وجود فجوة واضحة بين أجيال الفنانين، لافتًا إلى أن نجوم الماضي مثل نور الشريف ومحمود ياسين كانوا يتمتعون بثقافة واسعة، نتيجة اطلاعهم المستمر على الصحف والمجلات، ما انعكس على وعيهم وقدرتهم على النقاش.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن السوشيال ميديا، رغم أهميتها، ساهمت في إبراز جوانب سلبية لدى بعض الفنانين، وكشفت عن غياب الوعي الإعلامي لدى عدد منهم، وهو ما يتطلب إعادة النظر في كيفية إدارة ظهورهم وتصريحاتهم.

شاهندة محمد علي: بعض الفنانين يحتاجون “فلترة إعلامية”.. والجرأة ليست في كشف كل شيء

ترى الناقدة الفنية شاهندة محمد علي أن تكرار الأزمات المرتبطة بتصريحات الفنانين يفرض أحيانًا ضرورة وجود نوع من “الفلترة الإعلامية”، خاصة في الحالات التي يتسبب فيها الفنان بنفسه في إثارة الجدل أكثر من مرة، مؤكدة أن ذلك لا يُعد تقييدًا للحرية بقدر ما هو تنظيم لطريقة التعبير.

وأوضحت أن طبيعة الفنان تلعب دورًا كبيرًا في هذا الأمر، فهناك من يعتمد على العفوية والتلقائية في حديثه، بينما يلجأ آخرون إلى إثارة الجدل بشكل متعمد بهدف تصدر “التريند”، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على صورة الفنان أمام الجمهور.

وأضافت أن السوشيال ميديا أصبحت سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية قربت الفنان بشكل كبير من جمهوره، لكنها في المقابل ألغت جزءًا من “هالة الغموض” التي كانت تحيط به، وهو ما قد يؤثر على شغف الجمهور وانتظاره لأعماله.

وأشارت إلى أن الجمهور المصري بطبيعته “عِشري” ويتعامل مع الفنانين بحب وقرب، ما يجعله يُحاسبهم على تصريحاتهم وسلوكهم بنفس قدر اهتمامه بأعمالهم الفنية، بل أحيانًا بشكل أكبر، خاصة عندما تتضمن التصريحات ما يُصدم المتابعين أو يتعارض مع القيم المجتمعية.

وأكدت أن بعض التصريحات المثيرة للجدل تكون مقصودة بهدف جذب الانتباه، لكنها قد تأتي بنتائج عكسية على المدى الطويل، مشددة في الوقت نفسه على أنه لا يمكن فرض “كود أخلاقي إعلامي” موحد على الجميع، لأن ذلك قد يخلق صورة مصطنعة وغير حقيقية للفنانين.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الجرأة لا تعني كشف كل التفاصيل الشخصية أو الترويج لسلوكيات معينة بشكل علني، لافتة إلى أن الفنان بحكم تأثيره يُنظر إليه كقدوة، وبالتالي عليه أن يعي حجم المسؤولية المرتبطة بكل كلمة أو تصرف يصدر عنه.

تم نسخ الرابط