"فات الميعاد".. دراما لا تهاجم الرجل بل تجرّده من أقنعته
"فات الميعاد"، أحداث درامية لا يقتصر العنف بها على قبضة يد أو صوت مرتفع، بل يتجلى في تفاصيل العلاقات، في نظرة الرجل إلى المرأة، وفي قدرته أو فشله في تحمل مسؤولية عاطفية أو أخلاقية.
ما تقدمه الدراما هنا ليس مجرد شخصيات متفرقة، بل نموذجا متكررا للرجل الذي يفشل – بدرجات متفاوتة – في أن يكون إنسانًا في علاقاته.
مسعد… الذكوري الكلاسيكي والعنف كأداة تحكم
كانت شخصية مسعد نموذج للرجل الذي يرى في "الضرب" لغة، وفي "الخيانة المالية" مبررًا، وفي الرجولة حقا مكتسبا لا سلوكا مستحقا.
مسعد ينتمي لنموذج "السلطة الذكورية" التي لم تتعلم أن تحب دون امتلاك، ولم تترب على فكرة أن المرأة شريك، لا تابع.
يعاني من ضعف داخلي واحتقار للذات يعوضه بالعنف، لا يعتذر بصدق، بل يطلب الغفران من موقع ضعف، لا من موقع ندم.

منعم… الانتهازي العاطفي
نموذج مختلف عن مسعد، لكنه لا يقل عنه سلبية.. منعم يحب زوجته، لكن حبه لا يمنعه من التلاعب بعلاقات الآخرين لينقذ نفسه، يقبل أن تظلم زوجة أخيه، طالما هو يخرج سالما.
يعكس نموذج الرجل الذي يجعل من "الأسرة" ستارا أخلاقيا، بينما قراراته الفردية لا تخضع لأي مسؤولية.

عمر… المقهور الذي يعيد إنتاج القهر
يجسد شريحة واسعة من الرجال الذين يشعرون بالضغط المادي، ويحمّلون الزوجة مسؤوليته، حين تطالبه زوجته بعمل إضافي، لا يواجه الأمر بحوار أو مواجهة، بل بخيانة ناعمة أي زواج آخر يخفف عنه الشعور بالعجز.
وهو يرى في الزواج الثاني وسيلة استعادة لرجولته المهزوزة تحت وطأة الزوجة القوية.

يوسف… الطيب الساذج في مواجهة الخداع
يوسف هو مثال على "الذكورة الطيبة غير الناضجة"، شاب حسن النية، لكنه يرفض الاستماع للنصح، ويدار بسهولة بالعاطفة.
اختار الشراكة مع امرأة رغم تحذير صديقه، فقط لأنها أثارت إعجابه، وانتهى به الأمر ضحية نصب.
رغم أن الشخصية بريئة، إلا أنها تكرّس خطابًا قديمًا مفاده أن "المرأة الخادعة خطر دائم"، ما يعكس تناقضًا داخل النص الدرامي.
معتصم… النموذج الأقرب للنضج ولكن!
يبدو للوهلة الأولى أنه الأكثر احترامًا ووعيًا.. دعم بسمة، تزوجها بعد تجربة سابقة، خطوة التبني، ومدى صدقه بها.
لكن في بداية الأحداث حين بدأت زوجته الأولى، سارة، تُظهر توترًا نفسيًا، قرر الانسحاب بهدوء ولم يتمسك بحبه لها.
هل الطلاق هنا فعل نضج؟ أم هروب تحت ستار "عدم الراحة"؟
النص لم يمنح العلاقة ما يكفي من العمق لنفهم دوافعه كاملة، لكنه تركنا نتساءل.. هل النضج العاطفي يعني التخلّي عند أول اختبار؟

طارق… الذكوري النرجسي
زوج أخت معتصم، مثال الرجل الذي يرى النساء كمصدر للورثة فقط، رفض فكرة التبني، ورفض زواج معتصم مرة أخرى، لأنه أراد أن تبقى الثروة في يده.
يمثل رجل الطبقة الوسطى الذي يرى في الزواج صفقة اقتصادية، وفي الأطفال وسيلة توريث، لا حياة.

خطيب أخت بسمة… مجتمع الوصم والعار
حين علم أن بسمة مطلقة وتذهب للمحاكم، بدأ يتراجع عن ارتباطه، هو ليس شريرًا، لكنه مرآة لمجتمع يحمّل المرأة ثمن قراراتها، حتى إن كانت ضحية.
هنا تظهر جذور الوصم الاجتماعي للمرأة المطلقة، الرجل لا يرفضها لأنها خاطئة، بل لأنها "اقتربت من دوائر العار".
استثناء نادر.. والد بسمة
الرجل الوحيد في المسلسل الذي قدّم دعمًا غير مشروط، لم يسأل ابنته لماذا قررت الطلاق؟ بل وقف معها، وكأنما يقول لها: "كرامتك أولى".
يمثل "الأبوة الراشدة"… ربما الشخصية الوحيدة التي تمنح للمشاهد شعورًا بالأمان وسط كل هذا الفساد الذكوري، وربما تعد مقارنة ظالمة نظرا لأن العلاقة هنا "أب وابنته" وليست علاقة الرجل بالمرأة في الزواج والحب.
هل المسلسل يقدّم خطابًا نسويًا واعيًا؟، أم يخلق صورة سلبية شمولية للرجل دون توازن؟
ربما الإثنين معًا، لكن الأكيد أن "فات الميعاد" فتح بابًا لتحليل نوعي مهم في الدراما.. وهو ما الذي حدث للرجال؟
هل تراجع دورهم الإنساني تحت ضغط الفقر والسلطة والأبوية؟
أم أن الدراما فقط قررت أن تنحاز للمرأة… ولو للحظة؟
في النهاية، لا يطرح "فات الميعاد" سؤالًا ساذجًا عن "صلاحية" الرجل، بل يضع المجتمع بكل موروثاته أمام مرآة صادقة، بلا تجميل، إنه لا يظلم الرجال، بل يعرّيهم من أسلحتهم القديمة كالعنف والسيطرة والتبرير والانسحاب، ومن خلالهم، يكشف أيضًا كيف تربّى هذا الرجل، وما الذي صنع هشاشته وقسوته في آن، لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مذنب بالكامل، ولكن الأكيد أن الزمن تغيّر، والنساء لم يعدن مستعدات لدفع ثمن فشل الرجل في أن يكون إنسانًا أولًا، قبل أن يكون رجلًا.
