قصة أغنية "الهوا هوايا".. كيف تنازل محمد رشدي عنها لعبد الحليم حافظ؟
في أرشيف الأغنية العربية، تختبئ الكثير من القصص التي لم يعرفها الجمهور، تقف خلفها تنازلات فنية وإنسانية، وقرارات غير متوقعة كان لها أثر كبير في تشكيل ذاكرة الغناء، ومن بين هذه القصص ما حدث مع أغنية "الهوا هوايا"، التي اشتهر بها عبد الحليم حافظ، بينما تعود أصولها إلى الفنان محمد رشدي.
وفي إطار سلسلة يقدمها "وشوشة" حول قصص الأغاني التي تركت أثرا في الوجدان العربي، نستعرض لكم اليوم قصة أغنية "الهوا هوايا"، ضمن مجموعة تقارير دورية نسلط فيها الضوء على كواليس الأعمال الغنائية الشهيرة والظروف التي أحاطت بها لحظة ميلادها.
البداية مع مشروع "المائة أغنية فولكلورية"
تعود القصة إلى عام 1967، حين نشرت مجلة "الموعد" تقريرًا مفصلًا عن مشروع فني كان يحلم به الموسيقار بليغ حمدي، وهو تنفيذ 100 أغنية فولكلورية عربية تعيد إحياء التراث الشعبي بروح عصرية.
وقد وجد بليغ ضالته في الفنان محمد رشدي، الذي وصفه الموسيقار محمد عبد الوهاب بـ"مطرب الأرض الخضراء"، إذ كان يجيد التعبير عن الإحساس الشعبي بكفاءة عالية.

بدأ رشدي بالفعل تنفيذ المشروع، وسجل أكثر من عشرين أغنية من التراث المصري، ثم انتقل إلى تسجيل أنشودة ليبية بعنوان "من جلبي وروحي" كتبها الشاعر محمد الشيخي ولحنها كاظم نديم.
وكان واضحًا أن رشدي لا ينوي الاكتفاء بتراث بلده، بل خطط للسفر إلى لبنان وسوريا والعراق والكويت لتسجيل أغانٍ فلكلورية عربية من مختلف البلدان.
"الهوا هوايا" كانت بداية الأغاني اللبنانية المعدلة
في بيروت، بدأ رشدي استعداداته لتسجيل مجموعة من الأغنيات اللبنانية، لكن باللهجة المصرية، وتم تعديل أولى هذه الأغنيات بواسطة الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، ولحنها بليغ حمدي تحت عنوان "الهوا هوايا"، وكان مطلعها:
الهوا هوايا
ابنيلك قصر عالي
وأوهبلك كل مالي
وأشوف منك عيالي
صبيان ولا صبايا.
وكانت "الهوا هوايا" في طريقها لأن تسجل بصوت محمد رشدي ضمن المشروع الفولكلوري، وبدأ بالفعل عمل بروفات عليها مع المايسترو صلاح عرام.

انتقال الأغنية من رشدي إلى العندليب
ولكن ما لم يتوقعه أحد، أن الأغنية ستذهب إلى صوت مختلف تمامًا، أثناء وجود عبد الحليم حافظ مع بليغ حمدي والمخرج حسين كمال في بيروت لمعاينة مواقع تصوير فيلم "أبي فوق الشجرة"، سمع عبد الحليم اللحن بينما كان بليغ يدندن به، فأُعجب به بشدة، لكنه أبدى بعض التحفظات على الكلمات، وطلب تعديلها.
ودخل بليغ في حيرة بين أن يحتفظ بالأغنية لمحمد رشدي، أو يمنحها لعبد الحليم حافظ، خاصة وأن الأخير أراد ضمها لفيلمه الجديد.
وعندما عاد إلى القاهرة، زار بليغ حمدي صديقه محمد رشدي، وطلب منه التنازل عن الأغنية لصالح عبد الحليم.
ورغم أن رشدي كان يستعد لتسجيلها ضمن مشروعه الخاص، إلا أنه وافق على الفور، وأظهر روحًا طيبة ونبلاً فنيًا كبيرًا، إذ لم يرغب في أن يكرر أزمة سابقة خسر فيها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، حين قال بليغ في تصريح: "الأبنودي الشاعر بتاعي"، مما أغضب الأخير ورد عليه: "أنا مش بتاع حد".
من مشروع فولكلوري إلى أيقونة سينمائية
وهكذا انتقلت أغنية "الهوا هوايا" من محمد رشدي إلى عبد الحليم حافظ، الذي قدّمها ضمن أحداث فيلم "أبي فوق الشجرة"، لتصبح واحدة من أشهر أغنياته، رغم أن جذورها الفنية والشاعرية بدأت من مشروع غنائي شعبي كان يطمح لأن يغطي خريطة الغناء العربي بالكامل.