مها متبولي تكتب... "كارما " فيلم أفسدته السياسة
خرجت من مشاهدة فيلم "كارما" بأفكار مضطربة ومشاعر متداخلة، ففكرة الفيلم مبتكرة، ولها بريق إنساني يضغط على المشاعر ويداعب الأعصاب، لكنني عندما جلست مع نفسي، وناقشت معها رؤيتي حول العمل، وجدت أنه عمل منقسم على نفسه، يحاول فيه المؤلف ومخرج الفيلم خالد يوسف، أن يحشوه بالأفكار المباشرة، وأن يفرض على مشاهديه وصاياه الاشتراكية بوجهها الناصري، دون أن يتركنا نتأمل، ونعي ذلك من خلال الأحداث.
وأنا أعتبر فيلم "كارما" من الأفلام الجيدة التي أفسدتها السياسة، حيث أخطأ مؤلف ومخرج الفيلم عندما حمل الساسة مسؤولية كل شئ، بدءا من تحول أحداث الحياة إلى صدمات، ولعنات تطارد أبطال العمل، حتى النهاية، دون أن يترك لهم بارقة أمل.
ففي
ظل هذه الأجواء، تدور أحداث الفيلم حول الضياع والفقد، بدءا من فقد
"أدهم" لابنته "كارما" حتى فقد "نرجس"
و"مدينة"، وتجريد الشخصيات، من جميع الحقوق الطبيعية والمكتسبة، كما
تتصاعد فكرة الفقد لتغرق الجميع في مشاكل اجتماعية وقدرية، تتداخل فيها مصائر
الشخصيات رغم اختلاف الاماكن والهوّيات.
أراد
المخرج خالد يوسف أن يعقد مقارنة بين عالمي الفقراء والأغنياء، ويوثق انحيازه
للكادحين، من خلال تقديم مشاهد سريعة عن دوره كنائب في البرلمان، مما جعل صوت
الايديولجيا يرتفع فوق صوت شخصيات العمل، وتحميل الفيلم مالا يحتمل، وقد ظهر ذلك
بوضوح من خلال النقاش بين أدهم وطبيبه النفسي، والتي أرى أنها مجرد حوارات مسرحية
عقيمة تخلو من التمثيل، ولا أعرف كيف قبل خالد الصاوي أن يقوم بدور الملقن.
السيناريو
السيناريو
والحوار في الفيلم لهما حضور وزخم خاص، فلا يمكن أن تتجاوز الجمل اللاذعة على لسان
عمرو سعد وزينة وغادة عبد الرازق، والتي تخرج مشتعلة ومتوهجة، فوراء كلمة مغزى غير
مباشر، وملمح إنساني معبر، لكن السيناريو يركز على الشخصيات لا بوصفها شخصيات
ونماذج واقعية حية، وإنما رموز فلسفية، لدرجة أنه لاتوجد بالفيلم شخصية ايجابية
واحدة تتجاوز الفشل والفساد وانهيار الذات، وتصل إلى محطة النجاح، فالكل يدور في
دائرة عبثية قاتمة، أقرب إلى "الفنتازيا".
عمرو سعد
جسد
عمرو سعد في الفيلم شخصيتين مختلفتين واستطاع أن يمتلك أدواته كممثل وأن يرسم
ملامح مختلفة لكل شخصية على حدة بدءا من الملابس واللهجة وطريقة ادارة الحوار، وبرع
في أن يستغل نظرات عينيه في التعبير عن مواجع كل شخصية وحدود أزمتها، بأسلوب تمثيلي
يتميز بالعمق والاقناع، وأن ينقل لنا مشاعر الخوف والقلق والتمرد والقهر والضياع،
وساعده على ذلك أنه يتمتع بموهبة فطرية وكاريزما خاصة، وصدق فني حقيقي، فهو يمثل
بطريقة بسيطة واجادة تامة، ويجيد التعبير بملامح وجهه، وقد أضاف بهذا الفيلم بصمة
مهمة توضع على جانب أعماله السابقة.
زينة
تجسد
زينة في الفيلم دور"مدينة" زوجة "وطني" الشاب المسيحي المحاصر
بضيق الرزق وأوهام البحث عن الثراء، وقد نجحت زينة في الامساك بخيوط الشخصية، وتفهم
طبيعتها المركبة، حيث تعاني من صراعات نفسية، بسبب ضغوط الحياة، وظروف المعيشة،
ولولا تمكن زينة من أدواتها كممثلة لما استطاعت أن تستوعب روح الشخصية واحباطاتها.
وإن
كانت في بعض المشاهد قد وقعت في فخ المبالغة، لأن الشخصية في جوهرها لا تعتمد على
الاستعراض الكلامي ورفع الصوت، وانما كان من الممكن أن تقدم دورها بعمق أكثر.
دلال عبد العزيز
أعتقد
أن دلال عبد العزيز كانت أيقونة الفيلم بوجهها المصري الأصيل وخفة دمها وطيبتها
وحبها للحياة، فقد استطاعت بخبرتها في التمثيل أن تقدم نموذجا سحريا لكل الأمهات، وأن
تنتزع الدموع من أعيننا، وهى تموت رغم رغبتها في الحياة.
وأنا
أرى أن مشهد مناجاة عمرو سعد لها وهى "ميتة" هو من أروع المشاهد في
السينما المصرية إنه تجسيد لحالة إنسانية نادرة، لم تقدمها السينما كثيرا، فقد
ذاقت ألأم "نرجس" طعم الموت والفراق ومرارة الفقر بدلا من أن تنعم
بحلاوة الأيام.
غادة عبد الرازق
قدمت
غادة عبد الرازق في الفيلم دورا مميزا من خلال تجسيد شخصية السكرتيرة المغرمة
برئيسها في العمل، واحتوت غادة أبعاد الشخصية، بجانبيها الاجتماعي والنفسي، ونجحت
في أن تقدم كل التوترات الخاصة بها، بدءا من التعلق بـ"أدهم" وخوفها
عليه ،وحزنها على ضياعه ،والتضحية من أجل سعادته ،وارتباطه بأخرى ،وكلها مشاعر
انعكست على وجه الفنانة، لتثبت أن لديها قدرة كبيرة على امتلاك جوهر الشخصية
وانفعالاتها ورود أفعالها.
أدوار باهتة
أما
باقي الأدوار فأرى أن خالد يوسف، قد ظلم النجوم الذين قاموا بها بقدر ما ظلم هذه
الأدوار نفسها، لأن هذه الأدوار لاتحتمل أن يقوم بها ممثلون كبار لديهم طاقة
ونجومية أكبر من حجم الدور نفسه، فظهرت هذه الأدوار باهتة، مثل أن يرتدي شخصا ضخما
ثوبا صغيرا عليه، فماجد المصري ومجدي كامل ووفاء عامر يستحقون أدوار تتناسب مع
موهبتهم وقدراتهم التمثيلية، وليس العكس.
وأخيرا
يمكن أن أقول أن فيلم "كارما" تجميع لأفكار خالد يوسف طوال السنوات
الماضية ،فهو ليس فيلما واحدا ،وإنما "توأم ملتصق" يتكون من عدة أفلام.