"تخيّل الإسكندرية".. كيف تحولت عروس المتوسط إلى مدينة تسكن خيال الأدباء؟
ليست الإسكندرية مجرد مدينة تطل على البحر المتوسط، أو مجموعة من الشوارع والمباني التي تحمل آثار عصور مختلفة؛ فهي أيضًا مدينة صنعت لنفسها حضورًا استثنائيًا في الأدب والسينما، حتى أصبحت بطلة في روايات وقصائد وأعمال فنية تجاوزت حدود المكان والزمان. وبين الحنين إلى الماضي وسحر البحر وتعدد الثقافات، ظلت عروس المتوسط مصدر إلهام لأدباء وفنانين رأوا فيها أكثر من مجرد مدينة.
ومع انطلاق الدورة السابعة عشرة من “أيام التراث السكندري” غدًا الخميس 5 نوفمبر، تحت شعار “تخيّل الإسكندرية”، تعود هذه الصورة إلى الواجهة، من خلال برنامج يمتد حتى 13 نوفمبر، ويدعو الجمهور إلى اكتشاف المدينة كما تخيلها المؤرخون والرحالة والأدباء والفنانون عبر العصور، وليس فقط كما تبدو في شوارعها اليوم.
الإسكندرية.. مدينة تتجاوز حدود الجغرافيا
منذ تأسيسها في العصر البطلمي، ارتبطت الإسكندرية بصورة المدينة التي تجمع بين المعرفة والثقافة والتنوع، فقد احتضنت مكتبتها القديمة حركة علمية وفكرية واسعة، وأصبحت منارتها إحدى أشهر علامات العالم القديم. ومع مرور القرون، لم تفقد المدينة قدرتها على جذب الرحالة والكتاب، الذين سجلوا مشاهداتهم وانطباعاتهم عن شوارعها ومينائها وسكانها.
ولعل ما يميز الإسكندرية أنها لم تكن يومًا ذات وجه واحد؛ فقد تشكلت هويتها عبر تفاعل ثقافات متعددة، وامتزجت فيها التأثيرات المصرية واليونانية والإيطالية والمالطية والشامية، وهو ما منحها طابعًا خاصًا انعكس على تفاصيل الحياة اليومية والعمارة والفنون والأدب.
قسطنطين كفافيس.. شاعر وجد الإسكندرية في روحه
يُعد الشاعر اليوناني السكندري قسطنطين كفافيس واحدًا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمدينة، فقد عاش جانبًا كبيرًا من حياته في الإسكندرية، واستلهم من تاريخها وشوارعها وأجوائها عددًا من قصائده.
لم تكن الإسكندرية بالنسبة إلى كفافيس مجرد خلفية جغرافية، بل مساحة للتأمل في الزمن والذاكرة والإنسان، واستعاد في شعره عوالم تاريخية وشخصيات من الماضي، وربط بينها وبين التجربة الإنسانية المعاصرة. ولهذا أصبحت قصائده جزءًا من الصورة الأدبية التي رسمتها المدينة لنفسها في الوجدان العالمي.
لورانس داريل.. الإسكندرية في رباعية أدبية شهيرة
ومن الأسماء التي ساهمت في ترسيخ صورة الإسكندرية عالميًا الكاتب البريطاني لورانس داريل، الذي عاش في المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، وجعلها مسرحًا لأحداث رباعيته الروائية الشهيرة “رباعية الإسكندرية”، التي تضم أربعة أعمال هي “جستين” و"بالتازار" و"ماونت أوليف" و"كليا".
قدم داريل في هذه الأعمال صورة لمدينة متعددة الثقافات واللغات والعلاقات الإنسانية، ورسم عالمًا تتداخل فيه الحكايات والذكريات والرغبات، لتصبح الإسكندرية عنصرًا أساسيًا في بناء الرواية، وليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث.
إي إم فورستر.. دليل أدبي لاكتشاف المدينة
كما ارتبط اسم الكاتب البريطاني إي إم فورستر بالإسكندرية، بعدما أقام بها خلال الحرب العالمية الأولى، وقدم كتابه “الإسكندرية: تاريخ ودليل” عام 1922، الذي جمع فيه بين استعراض تاريخ المدينة ووصف معالمها ومسارات التجول فيها.
وتكمن أهمية تجربته في أنه تعامل مع الإسكندرية باعتبارها مدينة لا يمكن فهم حاضرها دون العودة إلى تاريخها، كما ساهمت صداقته بالشاعر كفافيس في تعميق اهتمامه بالحياة الثقافية والأدبية السكندرية.
يوسف شاهين.. الإسكندرية على شاشة السينما
لم يقتصر حضور الإسكندرية في الخيال على الأدب، بل انتقل أيضًا إلى السينما، وكان المخرج المصري يوسف شاهين من أبرز الفنانين الذين استلهموا المدينة في أعمالهم، خاصة من خلال فيلم “إسكندرية ليه؟”، الذي استعاد فيه جانبًا من ذكرياته الشخصية خلال أربعينيات القرن الماضي، وقدم صورة لمدينة تتفاعل فيها الثقافات والهويات والأحلام الفردية.
وبذلك أصبحت الإسكندرية مساحة سينمائية لاستعادة الذاكرة والتعبير عن التحولات الاجتماعية والثقافية، كما تحولت شوارعها وبيوتها وأحياؤها إلى عناصر أساسية في الحكاية.
“تخيّل الإسكندرية”.. التراث بوصفه ذاكرة حية
وتأتي أيام التراث السكندري هذا العام لتعيد فتح هذه المساحات من الخيال، عبر معارض ومحاضرات وجولات تراثية وعروض فنية، تسلط الضوء على الكُتّاب الذين تناولوا المدينة في أعمالهم، إلى جانب الفنانين المعاصرين الذين لا يزالون يستلهمون منها أفكارهم.
وتؤكد هذه الفعاليات أن التراث لا يقتصر على الحفاظ على المباني القديمة أو توثيق المعالم التاريخية، بل يمتد إلى القصص التي عاشها السكان، والكتب التي كتبت عن المدينة، والصور التي احتفظت بملامحها، والفنون التي أعادت تقديمها بأشكال مختلفة.
فالإسكندرية التي يراها زائر على شاطئ البحر ليست بالضرورة هي نفسها التي يراها شاعر في قصيدة أو روائي في صفحات كتاب؛ وربما تكمن خصوصيتها الحقيقية في قدرتها على أن تكون كل هذه الصور في وقت واحد، مدينة يعيشها الناس كل يوم، ومدينة أخرى لا تزال تسكن خيال الأدباء والفنانين.