الهضبة عمرو دياب والملك محمد منير.. ثنائية خارج قواعد المنافسة
دائما ما تشتعل الحروب بين جماهير الفنانين المتنافسين في المجالات المختلفة، سواء في الفن أو الرياضة، إذ تتحول المنافسة في كثير من الأحيان من مجرد تفضيل طرف على آخر إلى حالة من التعصب والانحياز.
فجمهور الأهلي لا يميل عادة إلى الزمالك، والعكس صحيح، وكذلك الحال في الموسيقى، حيث يصعب على قطاع من جمهور فنان أن يتقبل نجاح منافسه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على قمة المشهد.
فالجماهير المخلصة لفضل شاكر وكاظم الساهر وشيرين عبد الوهاب وتامر حسني، على سبيل الأمثلة، قد لا تنظر إلى تجربة عمرو دياب باعتبارها تجربة فنية أخرى تستحق التقدير فحسب، وإنما باعتباره المنافس الذي يصعب تجاوزه، والذي يجعل من فكرة الوصول إلى القمة أمرا شديد التعقيد. فالمسألة لا تتعلق بالموهبة وحدها، ولا بجودة الأغنيات أو حجم الشعبية، وإنما بوجود فنان استطاع أن يفرض هيمنته على المشهد الموسيقي وفق معايير متعددة، فنية وجماهيرية واقتصادية، حتى أصبح حضوره عاملا لا يمكن تجاهله عند تقييم فرص أي منافس.
عمرو دياب، ببساطة، ليس مجرد فنان ينافس الآخرين على القمة، بل هو النموذج الذي يضطر الجميع إلى قياس نجاحاتهم على أساسه وحتى عندما يتراجع حضوره نسبيا أو يمر بفترة أقل توهجا، فإنه يمتلك القدرة على العودة مجددا إلى صدارة المشهد، وكأن المنافسة لا تبدأ من نقطة الصفر، وإنما من المسافة التي تفصل الآخرين عنه.
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال أرقام المشاهدات على يوتيوب داخل الوطن العربي بنهاية عام 2025، إذ اقترب عمرو دياب من حاجز المليار و750 مليون مشاهدة، بينما كان أقرب منافسيه يقترب من حاجز المليار مشاهدة، فنحن هنا لا نتحدث عن فارق عابر يمكن تجاوزه بأغنية ناجحة أو ألبوم جماهيري، وإنما عن فجوة تعكس اختلافا في حجم الحضور الجماهيري والتراكم الذي صنعه كل فنان على مدار سنوات. فأي منافسة نتحدث عنها، إذا كانت الأرقام نفسها تكشف عن تفاوت واضح في حجم الانتشار؟!
ومثال آخر يكشف عن طبيعة هذه الهيمنة، يتعلق بالفنانة شيرين عبد الوهاب، التي سجلت رقما قياسيا في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وفقا لما أشرت إليه، بوصفها أكثر مغنية تصدرت المركز الأول في قائمة بيلبورد عربية لمدة 42 أسبوعا لكن علينا الانتباه هنا إلى أن الرقم يتعلق بفئة المغنيات، وليس بالمنافسة المطلقة التي تضم الرجال والنساء معا. فالوصول إلى القمة في فئة محددة يظل إنجازا كبيرا، لكنه يختلف عن تصدر القائمة العامة في مواجهة جميع الفنانين، خاصة في ظل تواجد اسم عمرو دياب!
وفي هذا السياق، وصل عمرو دياب إلى المركز الأول في القائمة العامة لبيلبورد عربية لمدة 69 أسبوعا، وفقا للأرقام المشار إليها، وهو ما يوضح حجم الفارق الذي نتحدث عنه أما تامر حسني، الذي كثيرا ما يجري وضعه في مقارنة مباشرة مع عمرو دياب، فلم يتمكن، بحسب هذه الأرقام، من الوصول إلى المركز الأول على المنصة ولو مرة واحدة طوال مشواره الفني.
وهنا لا يتعلق الأمر بالانتقاص من قيمة شيرين أو تامر حسني، ولا بالتقليل من جماهيرية أي منهما، وإنما بمحاولة قراءة المشهد الموسيقي بعيدا عن الانطباعات الشخصية والشعارات التي ترفعها الجماهير. فثمة فارق بين أن تكون فنانا ناجحا وصاحب شعبية كبيرة، وبين أن تمتلك القدرة على الهيمنة على المشهد وفق أكثر من معيار، وأن تحافظ على موقعك في مواجهة أجيال متعاقبة من المنافسين.
وبالمناسبة، فإن هذه الظاهرة ليست استثناء مصريا أو عربيا، بل هي أمر طبيعي في مختلف أنحاء العالم؛ إذ توجد دائما أسماء تفرض نفسها على الصناعة الموسيقية، وتتحول إلى نقطة مرجعية يقاس عليها نجاح الآخرين لكن ما يلفت الانتباه في الحالة المصرية أن العلاقة بين عمرو دياب ومحمد منير تبدو مختلفة تماما عن الصورة التقليدية التي اعتدناها في المنافسات الفنية.
لسبب لا أعرف إن كان من السهل تفسيره، سنجد أن قطاعا كبيرا من جمهور محمد منير يحب عمرو دياب، ويستمع إلى أغنياته، ويتفاعل مع نجاحاته المتكررة، من دون أن يشعر بأن هذا النجاح ينتقص من قيمة منير أو يهدد مكانته والأمر نفسه ينطبق على جمهور عمرو دياب، الذي استقبل بسعادة واضحة تعاونهما في أغنية “القاهرة”، باعتبارها مساحة التقاء بين تجربتين مختلفتين، لا معركة جديدة لتحديد من منهما يستحق القمة.
والأكثر دلالة أن هذه الروح امتدت إلى صناع الموسيقى الذين تعاونوا مع النجمين. فعلى الرغم من أن أسماء مهمة في عالم التلحين والتوزيع عملت مع عمرو دياب ومحمد منير، لم تتحول هذه التجارب، في وعي قطاع من جمهورهما، إلى ساحة للمقارنة العدائية بين ما قدمه كل صانع مع الهضبة وما قدمه مع الملك.
لم ينشغل جمهور منير، مثلا، بمقارنة توزيعات طارق مدكور مع عمرو دياب بتجاربه السابقة مع منير، باعتبار أن نجاح أحد العملين لا بد أن يكون على حساب الآخر والأمر نفسه ينطبق على ألحان عمرو مصطفى ومحمد رحيم وغيرهما من صناع الموسيقى الذين تنقلوا بين تجارب فنية مختلفة، وقدموا أعمالا لكل من النجمين، من دون أن تتحول هذه الأعمال بالضرورة إلى مادة لمعركة جماهيرية حول أحقية أحدهما بالنجاح.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف أمامها: لماذا لا يتعامل قطاع من جمهور عمرو دياب ومحمد منير مع نجاح أحدهما باعتباره تهديدا للآخر، كما يحدث في منافسات فنية عديدة؟ وكيف استطاع جمهور النجمين أن يرى في اختلاف التجربتين مساحة للتكامل، بدلا من أن يحوله إلى سبب للصراع؟
ربما يرجع ذلك إلى أن عمرو دياب ومحمد منير، على الرغم من اختلاف هويتهما الموسيقية وملامح مشروعيهما الفنيين، لا يقدمان التجربة نفسها حتى نقول إن نجاح أحدهما يعني بالضرورة تراجع الآخر. فالهضبة يمتلك عالمه الموسيقي الخاص، والملك يحمل هوية متفردة تشكلت عبر عقود من التجريب والانفتاح على ثقافات موسيقية متعددة، ولكل منهما جمهوره الذي يجد في تجربته ما لا يجده بالضرورة لدى الآخر.
وبالتالي، فإن العلاقة بينهما لا تبدو مجرد منافسة على مساحة واحدة، وإنما لقاء بين مشروعين مختلفين، لكل منهما قيمته وتأثيره ومكانته وربما يكون هذا هو السر في أن قطاعا من جمهورهما لا يرى تناقضا بين حب الاثنين، بل يستمتع بالتجربتين معا، ويدرك أن الموسيقى ليست مباراة لا بد أن تنتهي بفائز واحد وخاسر واحد.