لغز السلوك العدواني المفاجئ عند الأطفال.. إليكم السبب

وشوشة

تفاجأ أسر عديدة بتبدل مفاجئ في سلوك أطفالهم بمجرد الالتحاق برياض الأطفال، حيث تتلقى الأمهات ملاحظات متكررة تفيد بلجوء أطفالهن إلى ضرب زملائهم، رغم اتسام سلوكهم داخل المنزل بالهدوء والوداعة وسيطرة الطابع المسالم على تصرفاتهم.

 يثير هذا التناقض قلق أولياء الأمور وتساؤلاتهم حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول السلوكي غير المعتاد، وما إذا كان يعكس خللاً تربوياً أو استجابة لضغوط غير مرئية يتعرض لها الصغير في محيطه الجديد.

​أوضحت الدكتورة مريم صلاح، المتخصصة في التخاطب وتنمية المهارات، عبر حسابها الرسمي على منصة إنستغرام، الأسباب الجذرية وراء لجوء بعض الأطفال للضرب داخل بيئة الروضة، مؤكدة أن الأمر يرتبط بمجموعة من التحديات التكيفية والتواصلية التي تتطلب تدخلاً توعوياً وتدريبياً دقيقاً.

​الفجوة بين استقرار المنزل وتحديات بيئة الروضة

​يعيش الطفل داخل المنزل وسط بيئة مألوفة وهادئة، تقتصر غالباً على أشخاص مقربين يفهمون احتياجاته التلقائية، ويتحركون وفق روتين يومي ثابت لا يتطلب منه جهداً مستمراً في الدفاع عن مساحته الشخصية. 

تمنح هذه الأجواء مساحة واسعة من الراحة وانخفاضاً ملحوظاً في مستويات التوتر، مما يجعل سلوكياته تبدو منضبطة ومستقرة تماماً.

​تتحول هذه المعادلة كلياً بمجرد دخول الروضة؛ إذ يجد الطفل نفسه فجأة داخل عالم مليء بالحركة المتواصلة والأصوات المرتفعة، ومطالباً بالالتزام بتعليمات جديدة، والمشاركة الإلزامية للألعاب وانتظار الدور، واقتراب أطفال غرباء منه طوال الوقت.

 يمثل هذا الانتقال الحاد تغييراً جذرياً في الروتين والبيئة، مما يضع الصغير تحت ضغط نفسي وعصبي كبير، لا سيما في مراحله الأولى داخل المؤسسة التعليمية.

​طول اليوم الدراسي وتأثيره على ضبط المشاعر

​أشارت الدكتورة مريم صلاح إلى عامل حاسم في تصاعد حدة التوتر، يتمثل في عدد الساعات التي يقضيها الطفل داخل الروضة. 

فكلما طال اليوم الدراسي، زادت احتمالية إصابة الطفل بالإجهاد الجسدي، والشعور بالجوع، والانزعاج من الضوضاء المستمرة.

​تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى إضعاف قدرة الطفل على ضبط مشاعره والتحكم في ردود أفعاله العفوية. 

لذلك، تنصح بمراقبة دقيقة لتوقيت وقوع حوادث الضرب، وتحديد الساعات الفعلية التي قضاها الطفل قبل اندلاع المشكلة؛ فكثيراً ما تكون التصرفات العدوانية مجرد تفريغ عصبي ناتج عن الإرهاق الشديد ونفاد طاقة التحمل.

​إدارة الموقف اللحظي وتعليم البدائل اللفظية

​عند حدوث واقعة عنف، يكمن الحل في التدخل الهادئ والحازم في آن واحد. يجب توجيه الحديث للطفل باحتواء مباشر: "أنا فاهمة إنك زعلت، بس الضرب ممنوع". 

ترسيخ هذه القاعدة يوفر للطفل الإحساس بالأمان والاعتراف بمشاعره دون التهاون مع السلوك المرفوض.

​تأتي الخطوة التالية في تعليمه التعبير البديل باستخدام لغة واضحة وعبارات عملية يمكن استخدامها فوراً، مثل: "ابعد شوي"، "دوري"، "وقف"، "ساعدني"، أو "مش عاجبني".

 يؤكد خبراء النمو أن تعلم الطفل التعبير عن مشاعره بكلمات واضحة يقلل تلقائياً من احتمالية اللجوء إلى الأيدي لحل النزاعات.

​التدريب المسبق ولعب الأدوار كأداة وقائية

​لا تكفي التوجيهات النظرية لحماية الطفل من التوتر، بل يتطلب الأمر تدريباً مسبقاً داخل المنزل. 

تلعب محاكاة مواقف الروضة دوراً محورياً في إكساب الطفل جاهزية مسبقة، عبر تمثيل مشاهد تتضمن التعبير عن الرفض بدون ضرب مثل قول "لا، لا أريد "، أو التدرب على طلب المساعدة، وطلب الألعاب بلباقة مثل "ممكن ألعب؟"، وانتظار الدور، والتعبير عن أسباب الغضب بجملة "أنا زعلان لأن...".

​امتلاك مهارات التواصل مفتاح السلوك السوي

​يبقى التواصل هو الأساس في وقاية الأطفال من العدوانية؛ فكلما ارتفعت مهارة الطفل اللغوية، امتلك قدرة أفضل على صياغة احتياجاته، وحل خلافاته بالنقاش، والتعبير عما يضايقه بدقة.

 يتيح هذا التواصل للأهل فهم ما يمر به الطفل فعلياً داخل الروضة، والتعامل معه بوعي تربوي متكامل يحفظ استقراره النفسي وسلوكه الاجتماعي السليم.

تم نسخ الرابط