الحساسية الحسية المفرطة.. حين تتحول أصوات العالم إلى عبء عصبي
كشفت الدكتورة ماجي الشافعي، الطبيبة النفسية المتخصصة في التعافي من الصدمات والاضطرابات السلوكية، عبر حسابها الموثق على منصة «إنستغرام»، عن الجذور الطبية والسلوكية لظاهرة «الحساسية الحسية المفرطة» (Sensory Overload).
وبيّنت أن التوتر المستمر والانزعاج الحاد من المؤثرات اليومية المعتادة لا يعبران عن ضعف شخصي أو مبالغة غير مبررة، بل يعكسان استجابة حيوية يبذلها الجهاز العصبي في محاولة منه لحماية الجسد وتطويق التدفق الحسي الزائد عند تجاوزه حد الاحتمال.
مؤشرات تكشف نشاط المعالجة الحسية الزائدة
أوضحت الدكتورة ماجي الشافعي أن متلازمة الحساسية الحسية تتبدى من خلال ردود فعل واضحة تجاه معطيات المحيط المباشر.
وتتصدر هذه المؤشرات عتبة تحمل منخفضة للغاية للألم الجسدي، يرافقها شعور بالإجهاد الشديد وصعوبة بالغة في التركيز عند ارتداء ملابس ضيقة أو فضفاضة بصورة مبالغ فيها، أو عند ملامسة الأنسجة الخشنة وبطاقات الملابس للجلد.
يمتد هذا الانزعاج ليشمل الجهاز البصري؛ إذ يلجأ أصحاب الجهاز العصبي فائق الحساسية إلى ارتداء النظارات الشمسية لحجب الضوء حتى في الأجواء غير الساطعة، كما يميلون إلى البقاء في بيئات هادئة الإضاءة كالأباجورات والشموع، تفادياً للإضاءات الفلورية القوية التي تسبب لهم الصداع والتوتر النفسي السريع.
تفاعل الحواس مع المثيرات الخارجية المعقدة
تسجل الحواس السمعية والشمية والذوقية تفاعلات حادة ومباشرة.
فالأصوات المفاجئة تحدث إرباكاً ملحوظاً، كما تسبب البيئات المليئة بالضوضاء المتداخلة رغبة ملحة في ارتداء سماعات حجب الصوت أو سدادات الأذن لتخفيف الضغط العصبي الواقع على الذهن.
وعلى صعيد الشم والتذوق، تؤدي العطور والروائح النفاذة إلى إحساس بالضيق حتى وإن بدت خفيفة للآخرين.
ويتجلى الأمر ذاته في النفور التام من الأطعمة الحارة واللاذعة، الأمر الذي يولد لدى الشخص شعوراً مستمراً بالاختلاف عن محيطه تجاه أمور يعتبرها أغلب الناس مريحة وممتعة.
تقنيات متكاملة لإعادة ضبط وتنظيم الحواس
قدمت الدكتورة ماجي الشافعي بروتوكولاً علاجياً يتضمن تسع استراتيجيات لتنظيم استجابة الجهاز العصبي:
- تقنية التأريض الحسي: تثبيت القدمين على الأرض وتطبيق قاعدة الانتباه التدريجي بملاحظة خمسة أشياء يمكن رؤيتها، وأربعة أشياء يمكن لمسها، وثلاثة أشياء يمكن سماعها، وشيئين يمكن شمهما، وتذوق شيء واحد لاستعادة الحضور الذهني في اللحظة الآنية.
- التنفس الصندوقي المنتظم: أخذ شهيق بطيء لمدة 4 ثوانٍ، وحبس النفس لمدة 4 ثوانٍ، ثم زفير متزن لمدة 4 ثوانٍ، وحبس النفس مجدداً للمدة ذاتها مع التكرار، لإرسال إشارات الاسترخاء السريعة إلى مراكز المخ.
- التحفيز بالبرودة: رش الوجه بالماء البارد، أو الإمساك بقطع الثلج، أو استخدام كمادات باردة للمساعدة في تهدئة التوتر العصبي وإعادة الجسد إلى نقطة السكون.
- العزل بالبيئة الصوتية المهدئة: الاستماع للمقاطع الموسيقية الرقيقة، أو أصوات الطبيعة مثل المطر والبحر، أو تفعيل الضوضاء البيضاء لحجب التشتت الخارجي.
- التفريغ الحسي الحركي: استعمال كرات الضغط المطاطية أو لمس مجسمات ذات خامات متباينة لتشغيل أصابع اليدين، مما يسحب التوتر الداخلي ويمنح الذهن هدوءاً إضافياً.
- الدفء والملاذ الآمن: تغليف الجسد بأغطية ناعمة، وارتداء ملابس فضفاضة مريحة، وصناعة مساحة دافئة داخل الغرفة توفر شعوراً نفسياً بالأمان والاحتواء.
- تنشيط الدورة الدموية: ممارسة التمارين الخفيفة، أو التنزه السريع، أو جلسات اليوغا والرقص التعبيري، لتفكيك التشنج العضلي وتفريغ طاقة الشد العصبي المخزنة.
- إعداد صندوق الهدوء الشخصي: تجهيز صندوق يحتوي على مقتنيات مفضلة كالصور الشخصية، والمدونات المحببة، والزيوت العطرية المألوفة، وألعاب التركيب ورسومات الماندالا للرجوع إليها وقت الحاجة.
- تنظيم الأفكار برفق: إجراء وقفة ذاتية هادئة تسأل فيها نفسك عن احتياجك الملح في اللحظة الراهنة، والبدء بخطوات تنفيذية صغيرة بعيداً عن جلد الذات أو القسوة.
إن امتلاك جهاز عصبي فائق الاستجابة يتطلب إدراكاً عميقاً لاحتياجاته الخاصة؛ فالأمر يتجاوز فكرة تجنب الانزعاج إلى بناء نمط حياة متوازن يحفظ الطاقة النفسية ويوفر الحماية المطلوبة من صخب المحيط.


