أزمة الكوميديا المصرية.. نقاد وصناع يكشفون لـ"وشوشة" أسباب تراجع مستوى الأعمال وتغير ذوق الجمهور
تشهد الكوميديا المصرية خلال السنوات الأخيرة حالة من الجدل حول مستوى الأعمال المقدمة وقدرتها على جذب الجمهور وإثارة الضحك، بالتزامن مع الانتشار الكبير للمحتوى الكوميدي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول حقيقة تراجع الكوميديا، وما إذا كانت الأزمة مرتبطة بالكتابة وصناعة الأعمال، أم بتغير طبيعة الجمهور وذائقته مع التطور السريع للمحتوى الرقمي.
وفي الوقت الذي يرى فيه بعض النقاد أن الكوميديا تعاني من أزمة حقيقية بسبب ضعف الكتابة والاعتماد على الإفيهات والمواقف المنفصلة عن البناء الدرامي، يرى آخرون أن هذا النوع لم يتراجع، وإنما يمر بمرحلة من التطور وإعادة تشكيل أدواته، خاصة مع اتجاه صناع السينما إلى مزج الكوميديا بأنواع فنية وموضوعات مختلفة.
وفي هذا السياق، يستعرض التقرير آراء عدد من النقاد وصناع السينما حول أسباب الجدل الدائر بشأن مستوى الكوميديا المصرية، والعوامل التي تقف وراء نجاح أو إخفاق الأعمال الكوميدية في الوصول إلى الجمهور.
أحمد سعد الدين: أزمة الكوميديا تبدأ من الكتابة
يرى الناقد أحمد سعد الدين أن أزمة الكوميديا خلال الفترة الأخيرة لا ترتبط بغياب الأعمال الكوميدية عن الشاشة، وإنما بتراجع مستوى عدد من الأعمال التي تقدم تحت هذا التصنيف، مؤكدًا أن المقياس الحقيقي لا يتمثل في عدد الأفلام والمسلسلات الكوميدية، وإنما في قيمتها وقدرتها على تقديم محتوى قادر بالفعل على إضحاك الجمهور وترك أثر لديه.
وأوضح سعد الدين أن السبب الرئيسي وراء تراجع مستوى الكوميديا يتمثل في وجود أزمة واضحة في الكتابة، مشيرًا إلى أن بعض الأعمال تنطلق من هدف أساسي هو إضحاك الجمهور، لكنها لا تنجح في بناء كوميديا حقيقية ومؤثرة، ليصبح الضحك في بعض الأحيان قائمًا على مواقف عابرة أو إفيهات لا تستمر طويلًا في ذاكرة المشاهد.
وأشار إلى أن الفارق يظهر بشكل واضح بين الكاتب المتمرس في كتابة الكوميديا، وبين الأعمال التي تعتمد بصورة أساسية على مجموعة من المواقف أو الإفيهات أو الاستعانة بالترندات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، دون وجود بناء درامي متماسك قادر على دعم هذه العناصر ووضعها في سياق يخدم القصة.
وأكد الناقد أن الإفيه أو المشهد المضحك بمفرده لا يكفي لصناعة عمل كوميدي ناجح، موضحًا أن الكوميديا تحتاج إلى بناء درامي وشخصيات ومواقف يتم توظيفها بشكل صحيح، حتى يصبح الضحك جزءًا من العمل وليس مجرد لحظات منفصلة يتم وضعها لإثارة رد فعل سريع من الجمهور.
ولفت سعد الدين إلى أن أزمة الكتابة لا تقتصر على الأعمال الكوميدية فقط، وإنما تمتد إلى عدد من الأعمال الفنية بشكل عام، إلا أن تأثيرها يبدو أكثر وضوحًا في الكوميديا، نظرًا لأن وجود مشاهد تثير الضحك لا يعني بالضرورة أن العمل ينتمي إلى كوميديا جيدة أو متماسكة.
عماد يسري: شركات الإنتاج تتحمل جانبًا من المسؤولية
وفي سياق متصل، حمل الناقد عماد يسري شركات الإنتاج جانبًا من مسؤولية التراجع الذي تشهده الكوميديا، معتبرًا أن الاعتماد على كتاب لا يمتلكون الخبرة أو الموهبة الكافية في كتابة هذا النوع من الأعمال ساهم في ظهور تجارب لا ترقى إلى مستوى الكوميديا الحقيقية.
وأوضح يسري أن بعض الأعمال تعتمد بصورة كبيرة على المواقف والإفيهات دون وجود معالجة درامية متماسكة، وهو ما يجعل الكوميديا تفقد تأثيرها تدريجيًا، خاصة عندما لا تكون المواقف نابعة من طبيعة الشخصيات أو مرتبطة بشكل واضح بتطور الأحداث.
وأشار إلى أن ما وصفه بـ«الشللية» داخل بعض شركات الإنتاج ساهم أيضًا في تفاقم الأزمة، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بزيادة أو انخفاض عدد الأعمال التي تحمل تصنيفًا كوميديًا، وإنما بمدى قدرتها على تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد ويحقق الهدف الأساسي من الكوميديا.
ولفت يسري إلى وجود نماذج محدودة نجحت في تحقيق هذه المعادلة، مستشهدًا بمسلسل «أشغال شقة»، باعتباره أحد الأعمال التي استطاعت تقديم الكوميديا من خلال مواقف وشخصيات مرتبطة بسياق درامي واضح.
هل السوشيال ميديا أضعفت الكوميديا؟
ورفض عماد يسري تحميل انتشار الريلز والمحتوى الكوميدي عبر مواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية تراجع مستوى الكوميديا، موضحًا أن هذا النوع من المحتوى لم يؤثر سلبًا على ذوق الجمهور، وإنما ساهم، من وجهة نظره، في كشف الفجوة الموجودة بين ما يقدمه بعض صناع الأعمال الكوميدية وما يبحث عنه المشاهد بالفعل.
وأضاف أن المحتوى الكوميدي المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي أصبح مساحة بديلة يستطيع الجمهور من خلالها الوصول إلى نوعية من الضحك الذي يفتقده في بعض الأعمال التي تقدم نفسها باعتبارها كوميدية، مشيرًا إلى أن سرعة انتشار هذه المقاطع وقدرتها على الوصول إلى الجمهور جعلت المقارنة بينها وبين الأعمال الدرامية والسينمائية أمرًا طبيعيًا.
وأكد أن أزمة الكوميديا لا يتحملها طرف واحد داخل الصناعة، وإنما تشترك فيها مجموعة من العناصر، بداية من الكتاب والمخرجين والفنانين، وصولًا إلى شركات الإنتاج، وهو ما يجعل القضية في الأساس أزمة صناعة تحتاج إلى مراجعة أدوات تقديم الكوميديا، وليس مجرد تغير في ذوق الجمهور.
شريف نجيب: الكوميديا لم تتراجع ولكنها تغيرت
وعلى الجانب الآخر، يرى المؤلف شريف نجيب أن الكوميديا لم تتراجع عن المشهد الفني خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًا أن المنتجين ما زالوا يراهنون على هذا النوع من الأعمال، إلا أن الاختلاف أصبح في طريقة تقديمها والأشكال التي تتحرك من خلالها.
وأوضح نجيب أن صناع الأعمال أصبحوا أكثر ميلًا إلى التجريب وتقديم تركيبات جديدة للكوميديا، بدلًا من الاعتماد على الشكل التقليدي الذي يقوم على الإفيهات المتتالية والمواقف الكوميدية المباشرة.
وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت طرح مجموعة من الأفلام الكوميدية التي حققت تفاعلًا ونجاحًا جماهيريًا، من بينها «برشامة» و«فيها إيه يعني» و«السادة الأفاضل» و«سيكو سيكو»، معتبرًا أن هذه الأعمال تؤكد استمرار حضور الكوميديا على الساحة، ولكن بصورة أكثر تنوعًا واختلافًا عن الأشكال التي اعتاد عليها الجمهور خلال السنوات الماضية.
الجمهور أصبح أكثر صعوبة بسبب المحتوى الرقمي
وأوضح شريف نجيب أن التحدي الأكبر أمام صناع الكوميديا في الوقت الحالي يتمثل في طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الجمهور بشكل يومي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بداية من الميمز والريلز وصولًا إلى المقاطع المنتشرة عبر تيك توك وإنستجرام.
وأشار إلى أن هذا الكم الهائل من المحتوى جعل إضحاك المشاهد من خلال فيلم سينمائي أكثر صعوبة، خاصة أن الجمهور أصبح معتادًا على تلقي جرعات سريعة ومكثفة من الكوميديا، وهو ما رفع سقف توقعاته تجاه الأعمال الفنية.
ولفت إلى أن المشاهد لم يعد يبحث فقط عن الإفيه أو الضحكة السريعة، وإنما أصبح يريد تجربة متكاملة تجمع بين المتعة والقصة والشخصيات والأفكار، وهو ما دفع صناع السينما إلى البحث عن مساحات جديدة يمكن من خلالها تقديم الكوميديا بصورة مختلفة.
مزج الكوميديا بالدراما والجريمة والغموض
وأشار نجيب إلى أن التطور الذي تشهده الكوميديا دفع عددًا من صناع السينما إلى مزجها بأنواع فنية أخرى، مثل الدراما والنقد الاجتماعي والجريمة والغموض، بهدف تقديم تجربة مختلفة قادرة على جذب المشاهد وعدم الاكتفاء بتقديم الضحك فقط.
وأوضح أن هذا الاتجاه يمنح الكوميديا مساحات أوسع للتحرك، كما يسمح لصانع العمل بطرح أفكار وقضايا مختلفة داخل قالب ترفيهي، مؤكدًا في الوقت نفسه تفاؤله بمستقبل السينما المصرية وقدرتها على تقديم أشكال متنوعة من الأعمال التي تلائم اختلاف أذواق الجمهور.
شريف نجيب: كتابة الكوميديا أصبحت أكثر صعوبة
وأكد شريف نجيب أن كتابة الكوميديا أصبحت أكثر صعوبة وإرهاقًا في ظل المنافسة الكبيرة مع المحتوى الكوميدي المنتشر عبر الإنترنت، موضحًا أن صانع العمل لم يعد قادرًا على منافسة سرعة وإيقاع الضحك الذي تقدمه منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الرهان الحقيقي بالنسبة لصناع السينما لم يعد فقط على تقديم الإفيه، وإنما على صناعة قصة جيدة وشخصيات حقيقية يستطيع الجمهور التفاعل معها والتعاطف معها، إلى جانب تقديم وجهة نظر أو فكرة تجعل المشاهد يفكر بعد انتهاء العمل.
وبينما يرى بعض النقاد أن أزمة الكوميديا المصرية ترتبط بشكل أساسي بضعف الكتابة واختيارات شركات الإنتاج، يرى شريف نجيب أن الكوميديا ما زالت حاضرة بقوة، لكنها تتغير مع تغير أدوات الصناعة والجمهور، لتصبح الأزمة الحقيقية أمام صناعها هي كيفية تقديم ضحكة مختلفة داخل تجربة فنية متكاملة، قادرة على منافسة المحتوى الرقمي دون أن تفقد قيمتها الدرامية والفنية.