بين القلم والشاشة.. كيف فجّرت أزمة شريف عامر صراع الهوية النقابية؟
أعادت أزمة الإعلامي شريف عامر، على خلفية تقدمه بأوراقه للقيد في نقابة الصحفيين والجدل الذي صاحب موقفه من نقابة الإعلاميين، فتح واحد من أكثر الأسئلة إثارة داخل الوسط الإعلامي والصحفي: هل يمكن أن يجمع شخص واحد بين العمل الصحفي والإعلامي؟ وهل انتقال الصحفي إلى الشاشة يجعله إعلاميًا فقط، أم أن المهنة الأولى تظل جزءًا من هويته المهنية؟
الجدل لم يعد متعلقًا باسم شريف عامر وحده، لكنه فتح بابًا أوسع للنقاش حول الحدود الفاصلة بين مهنتين تلتقيان في كثير من الأدوات، وتختلفان في طبيعة العمل والقواعد المنظمة لكل منهما.
أزمة شريف عامر تعيد السؤال إلى الواجهة
تصاعد الجدل خلال الأيام الأخيرة بعد تقدم شريف عامر للقيد في نقابة الصحفيين، في مقابل خلاف علني مع الدكتور طارق سعدة، نقيب الإعلاميين، بشأن موقفه القانوني والمهني، ويؤكد عامر أن لديه تاريخًا في العمل الصحفي، بينما يتمسك الطرف الآخر بأن ممارسة العمل الإعلامي تخضع لضوابط قانونية وتنظيمية خاصة، كما لا يزال ملف القيد محل إجراءات وفحص وفقًا للقواعد واللوائح المنظمة.
الصحفي والإعلامي.. تشابه في الهدف واختلاف في الدور
في الواقع، هناك مساحة مشتركة كبيرة بين الصحافة والإعلام؛ فكلاهما يقوم على نقل المعلومات والبحث عن الحقيقة والتواصل مع الجمهور، لكن طبيعة الدور تختلف.
فالصحفي يرتبط عمله في الأساس بالبحث وجمع المعلومات والتحقق منها وكتابتها أو تحريرها وتقديمها في قالب صحفي، بينما يشمل العمل الإعلامي نطاقًا أوسع من الأنشطة المرتبطة بتقديم المحتوى للجمهور عبر الإذاعة والتليفزيون والمنصات المختلفة.
والقانون المنظم للصحافة والإعلام يفرق، من الناحية التعريفية، بين «الصحفي» بوصفه عضوًا مقيدًا في جداول نقابة الصحفيين، و«الإعلامي» بوصفه عضوًا مقيدًا في جداول نقابة الإعلاميين، وهو ما يعكس وجود إطارين مهنيين ونقابيين منفصلين، رغم التقاطع الكبير بين المجالين.
هل الشاشة تلغي صفة الصحفي؟
انتقال الصحفي إلى العمل التلفزيوني ليس ظاهرة جديدة، فكثير من مقدمي البرامج بدأوا حياتهم المهنية داخل غرف الأخبار أو الصحف، وانتقلوا لاحقًا إلى الشاشة وهم يحملون معهم أدوات المهنة الصحفية.
فالمذيع الذي يجري حوارًا سياسيًا أو يطرح أسئلة مبنية على بحث وتحقيق ومتابعة، قد يستخدم مهارات صحفية بوضوح، لكنه في الوقت نفسه يمارس دورًا إعلاميًا من خلال تقديم المحتوى عبر وسيلة مرئية أو مسموعة.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية: العمل في مجال الإعلام لا يعني بالضرورة أن الشخص لم يمارس الصحافة، كما أن الخلفية الصحفية وحدها لا تحسم تلقائيًا الوضع النقابي أو القانوني للممارسة الحالية.
من الصحافة إلى الإعلام.. طريق طبيعي
ساهم التطور التكنولوجي في تداخل المهن بصورة أكبر من أي وقت مضى، فالصحفي اليوم قد يكتب تقريرًا للموقع الإلكتروني، ثم يظهر في فيديو لشرحه، ويقدم بثًا مباشرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وربما يقدم برنامجًا كاملًا.
وبالمقابل، أصبح كثير من الإعلاميين يعتمدون على أدوات العمل الصحفي، بداية من البحث والتحقق من المعلومات، مرورًا بإجراء الحوارات، ووصولًا إلى إعداد التقارير والتحقيقات.
لكن هذا التداخل المهني لا يعني بالضرورة إلغاء القواعد المنظمة لكل مهنة، إذ تظل شروط العضوية والقيد وطبيعة الممارسة الفعلية من الأمور التي تحكمها القوانين واللوائح الخاصة بكل نقابة.
هل يمكن للإعلامي أن يكون صحفيًا؟
الإجابة المهنية قد تبدو بسيطة: نعم، إذا كان الإعلامي قد مارس العمل الصحفي بالفعل وامتلك المؤهلات والخبرة والمستندات التي تثبت ذلك.
لكن الإجابة النقابية والقانونية أكثر تعقيدًا، لأن مجرد الظهور الإعلامي أو الشهرة التلفزيونية لا يكفي وحده لاكتساب صفة الصحفي من الناحية النقابية الفيصل هنا يكون في استيفاء شروط القيد والإجراءات والضوابط التي تحددها النقابة، وليس في اسم الشخص أو حجم شهرته.
وفي حالة شريف عامر، تشير التفاصيل المتداولة إلى استناده إلى تاريخ مهني يقول إنه يتضمن العمل في مؤسسات صحفية وكتابة مقالات، بينما يبقى القرار النهائي بشأن القيد مرتبطًا بفحص الأوراق ومدى استيفائها للشروط المطلوبة.
وهل يمكن للصحفي أن يصبح إعلاميًا؟
على الجانب الآخر، يمكن للصحفي أن ينتقل إلى العمل الإعلامي، خاصة أن الخلفية الصحفية تمنحه أدوات مهمة، مثل القدرة على إدارة الحوار، والبحث، وطرح الأسئلة، وتحليل المعلومات.
لكن الانتقال من الكتابة والتحرير إلى الشاشة يحتاج أيضًا إلى مهارات مختلفة، منها الحضور أمام الكاميرا، وإدارة الحوار، والتعامل المباشر مع الجمهور، إضافة إلى الالتزام بالقواعد المنظمة لممارسة العمل الإعلامي.
وتنص الضوابط المنشورة بشأن القيد في نقابة الإعلاميين على تخصصات تشمل المذيع ومقدم البرامج والمخرج والمعد والمحرر والمراسل، مع وجود شروط وإجراءات خاصة بالقيد وممارسة النشاط.
ربما تكون أهم ما كشفته أزمة شريف عامر هو أن الفصل التقليدي بين «الصحفي» و«الإعلامي» أصبح أكثر صعوبة مع تطور وسائل الإعلام.
ففي العصر الرقمي، قد يكون الشخص صحفيًا وكاتبًا ومقدم برامج وصانع محتوى في الوقت نفسه، بينما تختلف صفته المهنية والقانونية وفقًا لطبيعة العمل الذي يمارسه والشروط التي يستوفيها داخل كل إطار نقابي.
وفي خضم هذا الجدل، يبقى السؤال الأهم ..هل أصبحت الحدود بين الصحفي والإعلامي أكثر مرونة بفعل تطور المهنة، أم أن الحفاظ على هوية كل مهنة وقواعدها أصبح ضرورة أكبر من أي وقت مضى؟



