حكايات لا تعرفها عن رجاء حسين في ذكرى رحيلها
تحل اليوم ذكرى رحيل الفنانة القديرة رجاء حسين، إحدى أصلب وأصدق القامات التي أنجبتها الدراما والسينما المصرية. لم تكن رجاء حسين مجرد وجه مبدع يجيد تجسيد المرأة الشعبية والأم بأصالة نادرة، بل كانت نموذجاً ملهماً في الكبرياء والتحدي؛ فنانة صاغت نجوميتها من قلب الصدف والمصاعب، وعاشت مسيرة حافلة بالصدق والصراحة المطلقة دون أن تتنازل يوماً عن كرامتها أو نبل مبادئها.
ترصد لكم "وشوشة" في التقرير التالي أبرز المحطات والشموع الاستثنائية التي أضاءت رحلة الراحلة رجاء حسين من مسرح المدرسة إلى قمة المجد الفني:
من "علقة" مسرح المدرسة إلى سحر "تصفيق الجمهور":
بدأت شرارة الشغف في حياة رجاء حسين بصدفة بحتة داخل مسرح المدرسة؛ حيث لفتت انفعالات وأجواء بروفات إحدى المسرحيات انتباهها، فظلت مشدوهة لمتابعتهم حتى تأخرت عن العودة للمنزل، ليكون العقاب حاسماً بـ "ضربة شبشب" من والدتها. لم يثنها ذلك العقاب، بل واصلت التسلل يومياً لمتابعة البروفات دون حتى أن تعرف اسم العرض، حتى جاءت اللحظة الفاصلة حين أصيبت بطلة المسرحية أثناء العرض، لتصرخ الصغيرة بثقة: "أنا حافظة الدور!". صعدت الشابة المسرح لتمثيل عرض "سندريلا"، وحين انتهى العرض وضجت القاعة بالتصفيق، وُلدت الفنانة داخلها؛ إذ اقترفت حب التمثيل لا شغفاً بالفن ذاته حينها، بل لشعور طفولي ساحر بأن ذلك التصفيق جعلها شخصاً مهماً.
سر اسم "عايشة" وحيلة نقل الأسرة إلى القاهرة:
تدعى الراحلة في الأوراق الرسمية "عايشة رجاء"، وهو اسم أطلقه عليها والدها ووالدتها ذات الأصول التركية ببركة الدعاء، بعدما كان لا يعيش لهما أبناء. وعندما جاءت لحظة الطموح ورغبتها في الانتقال من طنطا إلى القاهرة للدراسة بالمعهد العالي للفنون المسرحية، تلقت دعماً ذكياً من خالها الذي اقترح على والدها نقل سكن الأسرة بالكامل إلى العاصمة بحجة تقريب المسافة لشغله في الفيوم. وبالفعل، أثمرت الخطة عن نقل كل أشقائها من مدارس طنطا للقاهرة، وانتقلت هي معهم لتكمل مرحلتها الثانوية على أرض العاصمة.
اكتشاف يوسف عوف واختبار الحقوق والمعهد:
جاءت أولى خطواتها نحو عالم الاحتراف عبر صدفة جديدة في حفل خطوبة إحدى زميلاتها؛ حيث اندمجت في غناء "يا دبلة الخطوبة"، ليستمع إليها الكاتب الكبير يوسف عوف ويطالبها بالتوجه للإذاعة لتقديم برنامج الموهوبين. وهناك التقت بالممثل أنور محمد وسألته بتلقائية: "السينما بيروحولها منين؟"، فنصحها بالالتحاق بمعهد التمثيل وجلب لها ورقتين تحويان مشهدين بالفصحى والعامية لحفظهما. ورغم التحاقها بكلية الحقوق، إلا أنها حولت أوراقها فوراً للمعهد العالي للفنون المسرحية، واجتازت الاختبارات بنجاح باهر لتنطلق مسيرتها، و كان ذلك بمساعدة من الممثل أنور محمد.
قسوة اليُتم ومعاش الـ 32 جنيهاً:
سحبت المسرحيات وخُشبة المسرح رجاء حسين إلى عالم الصلابة والاتزان، إلا أن الوفاة المبكرة لوالدها كانت الصدمة الحقيقية التي حوّلتها إلى سند لعائلتها. فرضت عليها الأقدار تولّي المسؤولية الكاملة لتربية ومصاريف جميع أشقائها، في وقت لم يكن معاش والدها يتجاوز 32 جنيهاً. هذه القسوة والظروف الصعبة صقلت إرادتها، وصنعت منها امرأة فولاذية انعكست صلابتها وصدقها على كل دور قدمته، لترحل وتترك اسماً محفوراً بالاحترام في وجدان كل محبي الفن الأصيل.