أسامة قابيل: الجدل حول حج المشاهير انشغال بالناس وتركٌ لإصلاح النفس

أسامة قابيل
أسامة قابيل

أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، أن حالة الجدل الواسعة التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة بشأن تكرار بعض المشاهير والفنانين لأداء فريضة الحج، في مقابل مطالبات بإتاحة الفرصة لغيرهم من محدودي الدخل، تعكس في كثير من الأحيان فهمًا غير مكتمل لطبيعة هذه العبادة العظيمة ومقاصدها الشرعية.


وأوضح من خلال صفحته الشخصية فيس بوك ، أن الحج ليس مجرد رحلة دينية أو قرارًا بشريًا يخضع لتقييم الناس وأحكامهم، بل هو في المقام الأول دعوة إلهية وتوفيق رباني يمنحه الله لمن يشاء من عباده، مشيرًا إلى أن الوصول إلى بيت الله الحرام لا يكون بالمال وحده، وإنما بفضل الله وتيسيره وقبوله.

 


الحج دعوة من الله قبل أن يكون قدرة مالية


وأضاف العالم الأزهري أن النصوص الشرعية تؤكد أن الحج مرتبط بمشيئة الله وتوفيقه لعباده، مستشهدًا بقوله تعالى: "وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"، موضحًا أن النداء في أصله إلهي، وأن الاستجابة له تكون وفق ما يقدره الله للإنسان من أسباب وقدرات وظروف.


وأشار إلى أن البعض ينظر إلى الحج من زاوية مادية بحتة، بينما يغفل الجانب الإيماني والروحي المرتبط بهذه الفريضة، مؤكدًا أن ملايين المسلمين يتمنون زيارة بيت الله الحرام، لكن التوفيق في النهاية منحة ربانية يختص الله بها من يشاء من عباده.


لا يجوز الحكم على أحقية الناس بالحج


وشدد قابيل على أن الحديث عن أحقية شخص دون آخر في أداء الحج، أو الاعتراض على ذهاب فئة معينة من الناس بسبب شهرتهم أو أوضاعهم المالية، يتعارض مع جوهر هذه الشعيرة التي تقوم على الإخلاص والتجرد من الأحكام البشرية.
وأوضح أن الله سبحانه وتعالى وحده هو العليم بالنيات والقلوب، وأن الإنسان لا يملك أن يحكم على نوايا الآخرين أو مدى استحقاقهم للعبادة، لافتًا إلى أن الحج من أعظم أبواب التوبة والمغفرة، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".


تصوير مناسك الحج بين الإخلاص والرياء


وفيما يتعلق بقيام بعض المشاهير بتوثيق رحلتهم الإيمانية عبر الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح قابيل أن الأصل في العبادات هو الإخلاص لله تعالى، وأن إظهار العمل الصالح ليس مذمومًا على إطلاقه، فقد يكون وسيلة للتشجيع والتحفيز ونقل المشاعر الإيمانية للآخرين.


وأضاف أن الفيصل الحقيقي في هذه المسألة هو النية، فإذا كان الهدف من النشر التفاخر أو طلب الشهرة والثناء من الناس فإن ذلك يفرغ العمل من معناه الروحي، أما إذا كان الهدف نشر الخير أو مشاركة تجربة إيمانية صادقة، فإن الأمر يختلف باختلاف المقاصد التي لا يعلمها إلا الله.


الاستطاعة هي المعيار الشرعي الوحيد


وأكد العالم الأزهري أن الشريعة الإسلامية وضعت معيارًا واضحًا لأداء فريضة الحج، وهو الاستطاعة، مستشهدًا بقوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، موضحًا أن النص لم يفرق بين غني وفقير أو مشهور وغير مشهور، وإنما جعل القدرة والاستطاعة الشرعية هي الأساس.
وأضاف أن الدعوات المطالبة بمنع أشخاص من الحج بسبب تكراره أو بسبب شهرتهم لا تستند إلى أساس شرعي، مؤكدًا أن أحكام العبادات لا تُبنى على الانطباعات الشخصية أو المواقف العاطفية، وإنما على النصوص الشرعية الواضحة.


رسالة إيمانية إلى المسلمين


واختتم الدكتور أسامة قابيل تصريحاته برسالة إيمانية دعا فيها المسلمين إلى الانشغال بإصلاح أنفسهم بدلًا من تتبع أحوال الآخرين، قائلًا: "ادعُ الله أن يكتب لك زيارة بيته الحرام، ولا تُشغل قلبك بالناس؛ من ذهب ومن عاد، ومن نشر ومن أخفى، وانشغل بنفسك واشتغل على قلبك، واجعل علاقتك بالله هي الأصل".


وأضاف أن العمر قصير، وأن الإنسان أولى بأن يستثمر وقته في الطاعة والعمل الصالح ومحاسبة النفس، بدلًا من الانشغال بالحكم على الآخرين أو تتبع تفاصيل حياتهم، مؤكدًا أن القرب من الله هو الغاية الحقيقية التي ينبغي أن يسعى إليها كل مسلم.

 

تم نسخ الرابط