"هنا القاهرة".. كيف صنعت الإذاعة المصرية تاريخ يمتد لـ92 عامًا؟

وشوشة

يحل اليوم 31 مايو ذكرى انطلاق الإذاعة المصرية، التي بدأت بثها الرسمي عام 1934 لتكتب أولى صفحات تاريخ الإعلام المسموع في مصر والعالم العربي.

 وعلى مدار 92 عامًا، ظلت الإذاعة المصرية منبر للتنوير والثقافة ونقل الأخبار، وارتبطت في أذهان الملايين بعبارتها الشهيرة “هنا القاهرة” التي أصبحت رمز للإعلام المصري عبر الأجيال.

وفي هذه المناسبة، يكشف لكم موقع "وشوشة" في هذا التقرير عن أبرز المحطات التي شهدتها الإذاعة المصرية منذ انطلاقها عام 1934، مستعرضا كيف تحولت عبارة "هنا القاهرة" إلى أيقونة إعلامية خالدة، وأبرز الأصوات التي صنعت تاريخ الميكروفون المصري، والدور الذي لعبته الإذاعة في تشكيل الوعي والثقافة المصرية على مدار 92 عامًا.

البداية من الإذاعات الأهلية إلى صوت الدولة المصرية

عرفت مصر البث الإذاعي مبكرًا مقارنة بالعديد من الدول العربية، حيث ظهرت الإذاعات الأهلية خلال عشرينيات القرن الماضي، وكان يمتلكها هواة وأفراد يعتمدون على الإعلانات التجارية في تمويلها، ومع تزايد الحاجة إلى تنظيم العمل الإذاعي، بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء إذاعة رسمية تتبع الدولة.

وفي عام 1932 وافق مجلس الوزراء على إنشاء محطة إذاعية لاسلكية، على أن تتولى شركة "ماركوني" البريطانية تشغيلها لحساب الحكومة المصرية، لتبدأ بعدها الاستعدادات الرسمية لانطلاق البث الإذاعي الحكومي.

"هنا القاهرة" الجملة التي صنعت التاريخ

في مساء 31 مايو عام 1934، انطلق البث الرسمي للإذاعة المصرية للمرة الأولى، عندما صدح صوت الإعلامي والكاتب أحمد سالم بعبارته الخالدة “هنا القاهرة”.

وأصبحت هذه الجملة منذ ذلك اليوم علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي، بل وأحد أشهر الشعارات الإذاعية التي ارتبطت في أذهان الملايين بصوت مصر ورسالتها الإعلامية، واستمر إرسال اليوم الأول نحو ست ساعات فقط، لكنه كان كافيًا لفتح صفحة جديدة في تاريخ الإعلام المصري والعربي.

الشيخ محمد رفعت أول صوت عبر الإذاعة المصرية

لم يكن اختيار افتتاح البث الإذاعي مجرد إجراء تقني، بل حمل دلالة رمزية كبيرة، إذ كان الشيخ محمد رفعت صاحب أول تلاوة للقرآن الكريم تبث عبر الإذاعة المصرية، ليصبح صوته جزءًا من ذاكرة المستمعين لعقود طويلة.

وشهد يوم الافتتاح أيضا مشاركة عدد من كبار رموز الفن والثقافة، في مقدمتهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأمير الشعراء أحمد شوقي، في مشهد جسد مكانة الإذاعة كمنصة وطنية جامعة للفنون والثقافة المصرية.

خلال العقود التالية، لعبت الإذاعة المصرية دور محوري في تشكيل الوعي العام، خاصة في الفترات التاريخية المهمة التي شهدتها البلاد.

فمن خلال نشرات الأخبار والبرامج الثقافية والسياسية والدينية، أصبحت الإذاعة المصدر الأكثر تأثير للمعلومات لدى المواطنين، كما ساهمت في تقديم نجوم الغناء والدراما والأدب إلى الجمهور، وتحولت إلى مدرسة إعلامية خرجت أجيالًا من المذيعين والإعلاميين الذين تركوا بصمات بارزة في تاريخ الإعلام المصري.

محطات إذاعية صنعت ذاكرة الأجيال

ومع تطور البث الإذاعي، توسعت الشبكات والمحطات التابعة للإذاعة المصرية، لتظهر إذاعات متخصصة نجحت في تكوين جماهيرية واسعة، من بينها إذاعة القرآن الكريم التي ارتبطت بأصوات كبار القراء، وإذاعة الشرق الأوسط، وإذاعة الشباب والرياضة، وإذاعة الأغاني وغيرها من المحطات التي رافقت المصريين في تفاصيل حياتهم اليومية.

وأصبحت هذه المحطات جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع المصري، بما قدمته من برامج ومسلسلات إذاعية وأعمال فنية وثقافية ما زال كثير منها حاضر حتى اليوم.

أصوات ونجوم الميكروفون في الإذاعة المصرية

على مدار تاريخها الطويل، قدمت الإذاعة المصرية عشرات المذيعين الذين تحولوا إلى علامات بارزة في وجدان المستمعين، وكان لكل منهم أسلوبه الخاص الذي صنع حالة من الارتباط مع الجمهور. 

ويأتي في مقدمتهم الإذاعي الكبير أحمد سعيد، مؤسس إذاعة «صوت العرب»، الذي لعب دور مؤثر في مرحلة المد القومي العربي، إلى جانب صفية المهندس التي لقبت بـ«أم الإذاعيين» وأسهمت في تطوير العمل الإذاعي وقدمت العديد من البرامج الناجحة التي تركت أثر كبير في ذاكرة المستمعين.

أم الإذاعيين “صفية المهندس”
أم الإذاعيين “صفية المهندس”

وشهدت الإذاعة المصرية تألق أسماء لامعة أخرى، من بينها آمال فهمي صاحبة برنامج «على الناصية» الذي يعد واحد من أشهر البرامج الإذاعية في تاريخ مصر، إضافة إلى الإذاعية القديرة إيناس جوهر التي عرفت بصوتها المميز وحضورها الراقي عبر الأثير.

 ولم تقتصر النجومية على البرامج الاجتماعية والثقافية فقط، بل برز أيضًا عدد من المذيعين الذين نجحوا في تقديم المحتوى الإخباري والفني والدرامي، ليصبحوا جزءا من ذاكرة أجيال كاملة ارتبطت أصواتهم بسنوات من المتابعة اليومية والثقة في الإعلام الإذاعي المصري.

"الإذاعة المصرية" 92 عامًا من الحضور والتأثير

بعد مرور 92 عامًا على انطلاقها، لا تزال الإذاعة المصرية تحتفظ بمكانتها الخاصة رغم التطور التكنولوجي وظهور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة.

فقد نجحت في مواصلة رسالتها الإعلامية، مع الحفاظ على إرثها التاريخي الذي بدأ بعبارة قصيرة تجاوزت حدود الزمن «هنا القاهرة»، العبارة التي لم تكن مجرد افتتاح للبث، بل إعلان عن ميلاد مؤسسة إعلامية أصبحت جزء أصيل من تاريخ مصر الحديث وذاكرة شعبها.

تم نسخ الرابط