في ذكرى رحيل سيد مكاوي.. الوحيد الذي سُمح له بزيارة أم كلثوم في أيامها الأخيرة.. ورفض إجراء عملية لاستعادة بصره
تمر اليوم ذكرى رحيل الموسيقار الكبير سيد مكاوي، أحد أبرز رموز الموسيقى العربية، الذي لم يكن مجرد ملحن عابر، بل حالة إنسانية وفنية استثنائية، استطاع أن يحول الإحساس إلى نغم، والبساطة إلى خلود، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الفن المصري رغم رحيله.
وبالرغم من فنه الواعد، هناك تفاصيل وأسرار عن جوانب خاصة في شخصيته ظلت بعيدة عن الجمهور، مثل علاقته بأم كلثوم وقصة فقده لبصره، وتحدثت أميرة ابنته عن هذه الجوانب في أحد اللقاءات مؤكدة أنه كان أبًا حنونًا بشكل استثنائي، يحيط أسرته بالاهتمام والرعاية، وكان راضيًا عن حياته رغم فقدانه البصر، وأوضحت أنه لم يكن يرى إعاقته عائقًا، بل عاش متصالحًا معها، حتى أنه رفض إجراء عملية كان من الممكن أن تعيد إليه بصره، مفضلًا أن يستمر كما هو، في حالة من الرضا النادر.
وأضافت أن والدها كان يتمتع بخفة ظل لافتة، وكان يعبر عن حزنه بصمت، مشيرة إلى موقف إنساني مؤثر عندما رسبت في الثانوية العامة، حيث اكتفى بالصمت بدلًا من اللوم، كما استرجعت لحظة مؤثرة حين سأل الإعلامي مفيد فوزي عن ملامح بناته، في مشهد ترك أثرًا عميقًا داخل الأسرة.
وعلى الصعيد الفني، جمعت سيد مكاوي علاقة قوية بكوكب الشرق أم كلثوم، التي لم تكن مجرد تعاون مهني، بل صداقة إنسانية عميقة، إذ كان من المقربين لها، حتى أنه كان من القلائل الذين سُمح لهم بزيارتها في أيامها الأخيرة. وقد أثمرت هذه العلاقة عن أعمال خالدة مثل “أنساك” و”يا مسهرني”، التي لا تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.
كما ارتبط بعلاقات فنية وثيقة مع كبار الشعراء، مثل صلاح جاهين وفؤاد حداد، حيث شكّل معهم ثنائيات ناجحة، أبرزها “المسحراتي”، الذي أصبح جزءًا أصيلًا من طقوس رمضان في مصر. وتميز مكاوي بقدرته على اختيار كلمات بسيطة لكنها عميقة، تصل بسهولة إلى وجدان الجمهور.
ورغم إعاقته، كان نموذجًا في الاعتماد على النفس، إذ أصر على إدارة تفاصيل حياته اليومية بنفسه، بل وكان يصلح الأعطال ويقود حياته بإرادة صلبة، كما عُرف بحسه الإنساني العالي، وقدرته على فهم من حوله من نبرة أصواتهم فقط.
ولم تقتصر بصماته على التلحين، بل امتدت لدعم عدد من الفنانين، من بينهم وردة، التي ساندها في مرحلة صعبة من حياتها، مؤكدًا أن الفن عنده لم يكن مجرد عمل، بل رسالة إنسانية.
في ذكرى رحيله، يبقى سيد مكاوي نموذجًا للفنان الذي لم تمنعه الظروف، بل صنع منها طريقًا خاصًا، ليؤكد أن الإحساس الحقيقي لا يحتاج إلى عين ترى، بل قلب يسمع ويشعر.

