بين الصمت والتيه.. قراءة في أحداث فيلم "لا أحد هناك"


في مثل هذا اليوم عام 2019، انطلق العرض الأول لفيلم "لا أحد هناك" في دور السينما، ذلك الفيلم الذي قرر أن يسير عكس التيار، لا يقدم حكاية بالمعنى التقليدي، بل يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع فراغه الإنساني، حيث الصمت الأوقع من أي حوار.

قادتني الظروف إلى مشاهدة هذا الفيلم منذ عدة أشهر، لكن أثره لم ينته مع نهاية أحداثه، بل ظل عالقا بداخلي، يثير الكثير من الأسئلة ويعيد تشكيل أفكاري كلما تذكرت مشاهده.

رؤية المخرج أحمد مجدي.. سينما تفكك الحدوتة وتعيد بناء الإحساس

اعتمد المخرج أحمد مجدي على إيقاع هادئ، وهو اختيار جريء ساهم في خلق مسافة بين أحداث الفيلم والمتلقي، مبتعدًا عن التعاطف القائم على الانغماس العاطفي، لصالح رؤية تدفع المشاهد إلى التأمل بدلا من التماهي، من أجل إعادة التفكير في الحالة لا مجرد الإحساس بها.

الإيقاع الهادئ هنا ليس مجرد أسلوب فني، بل وسيلة ضغط نفسي على المشاهد، فغياب القطع السريع يجعلك "محبوس" داخل اللحظة، والزمن يبدو متوقفًا أو ربما بلا قيمة، فاستطاع الفيلم أن يعيد تعريف الزمن من كونه عنصرًا للسرد… إلى كونه عبئًا نفسيًا.

جائت كادرات الفيلم واسعة، فظهرت الشخصيات صغيرة داخل مساحة أكبر منها، فالكادر لا يحتضن الشخصيات… بل يفضح هشاشتها.

وبعبقرية شديدة ظهرت الألوان باهتة تميل للبرودة، وهو الشئ الذي خلق إحساس إن الإنسان هنا أقل من المكان أو حتى غير مرئي.
اللقطات الطويلة والفراغ البصري "أماكن شبه مهجورة" كل هذه الأشياء ساهمت في انعكاس الحالة النفسية للشخصيات.

لم يكن الهدف من أحداث الفيلم هو محاولة إرضاء الجمهور… فالفيلم يتخلى عن السرد التقليدي بالكامل، فلا توجد حبكة واضحة، ولا تصاعد درامي بمعناه المعروف، بل مجموعة من اللحظات المفككة التي تبدو وكأنها بلا رابط مباشر.
 

الآداء التمثيلي لأبطال الفيلم لا يسعى لإبهارك

الآداء التمثيلي لأبطال الفيلم كان هادئ جدا وهو أنسب ما يكون لطبيعة العمل، لم تتواجد أي انفعالات حادة، وظهرت المشاعر مكبوتة ومؤجلة، والشخصيات شبه منطفئة.

لذا فالتمثيل هنا لا يسعى لإبهارك… بل يضعك أمام بشر اختاروا الصمت كبديل عن الانفعال، كما أن الشخصيات كانت لا تبحث عن خلاص حقيقي، بل تتحرك في دوائر مغلقة، كأنها عالقة في زمن لا يتقدم.
 

الصمت… اللغة الأساسية للفيلم

اعتمد فيلم لا أحد هناك على الصمت بشكل شبه كامل، فخلى من الحوارات والاعترافات، مما ساهم في جعل المشاهد مضطر مواجهة نفس الإحساس وهو العجز عن التعبير.

الزرافة أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للتساؤل

من بين كل التفاصيل الصامتة والمبهمة في الفيلم، تظهر "الزرافة" كعنصر غريب، شبه منفصل عن الواقع، لكنه في الحقيقة واحد من أكثر الرموز دلالة، تعمد الفيلم أن يتركها كعلامة مفتوحة على التأويل.

الزرافة، بطبيعتها، كائن يمتلك رؤية أوسع بسبب ارتفاعه… يرى ما لا يراه الآخرون، لكن المفارقة هنا أن هذا "الامتياز" يتحول إلى عزلة، وكأنها حينما نظرت من هذا الارتفاع وجدت أن لا أحد هناك، كما أن وجود الزرافة وسط عالم بارد وفارغ يخلق تناقض مهم.. كائن حي "غريب" وسط بشر "باهتين"، في النهاية، تظل الزرافة أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للتساؤل، لأنها لا تقدّم إجابة… بل تفتح بابًا للتأويل.

الزرافة والجنين… مفارقة الحياة المرفوضة

خط الفتاة التي تحمل نتيجة علاقة غير مكتملة، ورغبتها في الإجهاض، يعد أحد أكثر الخطوط إنسانية وواقعية في الفيلم… لكنه في نفس الوقت يتقاطع بشكل غير مباشر مع خط الزرافة الحامل.
وهنا المفارقة القاسية إنسانة ترفض الحياة داخلها وحيوان يدفع قسرًا إلى تجربة الأمومة، كأن الفيلم يضع سؤال من الذي يملك قرار الحياة؟… الإنسان؟ أم الظروف؟.

الأمومة بين القبول والفرض

الفتاة ترى الحمل كعبء، كغلطة، كشيء يجب التخلص منه، في المقابل، الزرافة لا تملك خيارًا… لكن النهاية تكسر التوقعات
الفتاة تحاول إنهاء الحياة، الزرافة تفقد حياتها وحياة صغيرها، لا أحد ينجو من فكرة "الحياة" نفسها.
الفيلم هنا لا يناقش الإجهاض بشكل مباشر… بل يناقش "معنى أن تأتي حياة إلى عالم غير مهيأ لها".

الزرافة تتحول هنا لمرآة صامتة لحكاية الفتاة، فالإثنان "حوامل" بحياة جديدة، وفي بيئة باردة وغير رحيمة، ومصيرهم مرتبط بظروف أكبر منهم، لكن الفرق المؤلم، الإنسان يملك الاختيار… والحيوان لا ومع ذلك، النتيجة واحدة تقريبًا وهى الفقد.

التيه كقدر… حين يصبح الضياع هو الشكل الوحيد للحياة

الأماكن في الفيلم ليست مجرد خلفية، لكنها شريك أساسي في خلق حالة التيه.. كل شخصية في الفيلم تعيش في حالة انفصال عن نفسها، عن الآخرين، عن الواقع، لا يوجد تواصل حقيقي، حتى وهم جالسين بشكل دائري.

الفيلم نجح جدًا في خلق إحساس التيه وأتقن تصويره… لكنه أحيانًا يترك المشاهد تائهًا أكثر مما ينبغي.

"لا أحد هناك" ليس فيلمًا عن الضياع بالمعنى البسيط… بل عن حالة أعمق، حيث يفقد الإنسان علاقته بكل شيء.. المكان، الزمن، وحتى نفسه.

"لا أحد هناك" مرآة لجيل كامل

فيلم لا أحد هناك لم يتواجد من أجل شخصيات فردية… بل عبر عن جيل يشعر بالعزلة وفقدان معنى، وانعدام التواصل، 
لذا فـ "لا أحد هناك" لم يكن عن أشخاص.. هو عن جيل كامل يشعر بعدم الوجود، ونقاط قوة الفيلم تكمن في كونه تجربة مختلفة، والصدق الشعوري العالي، والرؤية الإخراجية الواضحة، "لا أحد هناك" ليس فيلمًا للمشاهدة السهلة، بل عمل يتطلب صبرًا واستعدادًا للدخول في حالة نفسية ثقيلة، صادق حد القسوة… لأنه لا يحكي عن الوحدة فقط، بل يجعلك تعيشها.
 

تم نسخ الرابط