قصة أغنية "ألا ليت للبراق عينًا".. كواليس منع فيلم "ليلى بنت الصحراء" وظهور الأغنية من جديد
لكل أغنية حكاية تحمل بين سطورها مزيجًا من التاريخ والأسطورة، وهناك أعمال غنائية استلهمت من قصص قديمة لتتحول إلى لوحات فنية خالدة تعيش عبر الأجيال وفي هذا الإطار، تبرز أغنية "ألا ليت للبراق عينًا" كواحدة من الأعمال التي جمعت بين الشعر العربي القديم والغناء الحديث، وقدمتها الفنانة أسمهان بصوتها المميز، لتمنحها حياة جديدة في وجدان الجمهور.
وفي إطار سلسلة "وشوشة" التي تستعرض قصص الأغاني التي تركت أثرًا في وجدان الجمهور، نسلط الضوء على حكاية أغنية "ألا ليت للبراق عينًا"، التي تعود جذورها إلى قصة تراثية، قبل أن تتحول إلى عمل فني ارتبط بكواليس سينمائية وأحداث تاريخية.
القصة الأصلية وراء القصيدة
تعود قصة "ألا ليت للبراق عينًا" إلى شخصية "ليلى العفيفة"، وهي ابنة قبيلة بني تغلب، التي اشتهرت بجمالها وأدبها بين العرب ووفقًا للروايات المتداولة، فقد سمع أحد أمراء الدولة الساسانية بجمالها، فقام بأسرها، معتقدًا أنه يستطيع استمالتها بالمال والهدايا، لكنها رفضت كل محاولاته وتمسكت بموقفها، ما أكسبها لقب "العفيفة".
وفي ظل هذا الموقف الصعب، لجأت ليلى إلى قصيدة "ألا ليت للبراق عينًا"، تستنجد فيها بابن عمها "البراق"، الذي كانت تجمعها به قصة حب، ليهب لنجدتها، وهو ما حدث بالفعل، حيث تمكن من إنقاذها، وتزوجها لاحقًا، لتتحول القصة إلى واحدة من الحكايات التي تعبر عن الوفاء والحب والصمود.
من القصيدة إلى الشاشة
انتقلت هذه القصة التراثية إلى عالم الفن، حين تم اختيار الأبيات لتغنى ضمن أحداث فيلم "ليلى بنت الصحراء"، حيث قام الموسيقار محمد القصبجي بتلحينها، لتؤديها الفنانة حياة محمد ضمن سياق درامي يعكس أجواء القصة التاريخية.
إلا أن الفيلم واجه أزمة كبيرة قبل عرضه، حيث تم منعه لأسباب سياسية، خاصة بعد زواج الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، من الشاه محمد رضا بهلوي، ولي عهد إيران آنذاك، وهو ما جعل عرض الفيلم الذي يتناول صراعًا مع الفرس أمرًا حساسًا في تلك الفترة.
عودة الأغنية بصوت أسمهان
رغم منع الفيلم، لم تختفِ الأغنية، بل عادت إلى الظهور من جديد بصوت أسمهان، التي أعادت تسجيلها، لتمنحها حضورًا مختلفًا، حيث قدمتها بإحساسها الخاص، ما ساهم في انتشارها وبقائها في ذاكرة الجمهور.
وأصبحت "ألا ليت للبراق عينًا" مثالًا على الأعمال التي يمكن أن تتجاوز الظروف التي أحاطت بها، سواء كانت سياسية أو فنية، لتصل في النهاية إلى الجمهور وتحقق مكانة خاصة في تاريخ الغناء العربي.
أغنية بين التاريخ والفن
تحمل هذه الأغنية قيمة خاصة، كونها تربط بين التراث العربي القديم والفن الحديث، حيث نقلت قصة إنسانية من الماضي إلى الحاضر، عبر كلمات شعرية ولحن مميز وأداء غنائي مؤثر.
كما تعكس قدرة الفن على إعادة إحياء القصص التراثية، وتقديمها بشكل جديد يتناسب مع الأجيال المختلفة، لتظل حاضرة في الذاكرة، ليس فقط كأغنية، بل كحكاية تحمل معاني الحب والوفاء والصمود.
وتظل "ألا ليت للبراق عينًا" واحدة من الأغاني التي تثبت أن بعض الأعمال لا ترتبط بزمن محدد، بل تعيش بفضل ما تحمله من مضمون إنساني وتجربة فنية متكاملة، تجعلها قادرة على البقاء في وجدان الجمهور لسنوات طويلة.

