البوسطجي.. فيلم فضح مجتمع يقتل بالجهل لا بالسلاح
في مثل هذا اليوم.. انطلق عرض فيلم البوسطجي الذي تم إنتاجه عام 1968 والذي يعد من أجرأ وأعمق أفلام السينما المصرية.. حيث لما يكن مجرد اقتباس عن رواية يحيى حقي بقدر ما كان صرخة في وجه التقاليد الصماء، واختبار قوي لقيمة الخصوصية والجهل في مجتمع منغلق، استطاعت أحداث الفيلم أن تضع الروح المصرية تحت مجهر النقد الاجتماعي ببراعة المخرج حسين كمال.
تبدأ أحداث الفيلم بظهور "محمود" الذي قدمه الفنان شكري سرحان، وهو البوسطجي القادم من القاهرة إلى قرية "كوم النحل" في الصعيد، يظهر بصورة إنسان يشعر بالاغتراب والملل والوحدة، ذلك الملل الذي دفعه لارتكاب خطيئته وهى فتح الرسائل وقراءتها.. ومن هنا يتحول المشاهد إلى متلصص معه.
أخرج حسين كمال فيلم محاوط بالحصار، فالتركيز الأكبر كان على الوجوه والأماكن كانت ضيقة، كانت الرسالة بفيلم "البوسطجي"، هي القدر، وتأخر وصول هذه الرسالة، أو ربما قراءتها من قبل الشخص الخطأ، كان هو السكين الذي ذبح الجميع.

سيكولوجية الأماكن
جائت البلدة هنا كـ "سجن مكشوف" فلم يكشف حسين كمال القرية كفضاء ريفي هادئ، بل كانت كزنزانة جدرانها من الطين.
الكاميرا كانت دائما تميل أو تقترب جدا من الوجوه لتوضح حالة الاختناق التي يعيشها البوسطجي، كانت القرية هنا هي المراقب الذي لا ينام فالعيون تترصد كل من حولها، وأصبح فتح الرسائل هو الشئ الوحيد المتاح للبطل لفراق هذا الحصار.
صلاح منصور الجمود في أبهى صوره
لا يمكن كتابة مقال عن هذا الفيلم دون التوقف طويلًا عند أداء الراحل صلاح منصور حيث قدم شخصية الأب "العمدة" ببرود مرعب لم يكن شريرا بالمعنى التقليدي، بل كان يجسد "الجمود".
مشهد النهاية وهو يحمل الفأس ويمشي في ثبات مخيف نحو "تطهير العار" هو تجسيد لثقافة كاملة ترى في وأد الروح صوناً للكرامة، كما أن أداؤه لم يعتمد على الصراخ، بل على الصمت الذي يسبق العاصفة.
الموسيقى التصويرية (إبراهيم حجاج):
كانت الموسيقى في الفيلم بمثابة "ناقوس خطر" يدق باستمرار، النغمات الرتيبة التي صاحبت رحلات البوسطجي اليومية فوق حماره كانت تعبر عن الرتابة القاتلة التي تؤدي في النهاية إلى الجنون أو ارتكاب الخطأ.

من الرواية إلى الشاشة: التكثيف الدرامي
ركز يحيى حقي في روايته على الجانب الإنساني والوصفي، بينما ذهب حسين كمال بالتعاون مع السيناريست صبري موسى ودنيا البابا إلى منطقة "التراجيديا السوداء"، الفيلم ترك المشاهد في النهاية معلقاً بين الندم (الذي مثله شكري سرحان) وبين الموت (الذي مثلته زيزي مصطفى).
بعد مرور كل هذه السنوات، لا يزال "البوسطجي" طازجاً، ومؤلماً، وجميلاً بشكل قسري، إنه تذكير دائم بأن الكلمات التي نكتبها قد تكون أحياناً أثقل من الرصاص، وأن الجهل هو العدو الأول الذي يلتهم أجمل ما فينا.