رحلة بين الذاكرة والفقد.. الحياة بعد سهام ينافس في مهرجان اسطنبول السينمائي الدولي
يشارك الفيلم الوثائقي الحياة بعد سهام في فعاليات مهرجان إسطنبول السينمائي الدولي في دورته الـ45، ليقدم تجربة إنسانية عميقة تمزج بين الحنين والسينما، وتطرح تساؤلات مؤثرة حول الذاكرة والفقد وقدرة الفن على مواجهة الغياب.
ويُعد العمل من أبرز الأفلام المشاركة هذا العام، لما يحمله من طرح بصري وشعوري مختلف.
حكاية إنسانية تتجاوز حدود السينما
يدور الفيلم حول “نمر”، صانع أفلام في الأربعين من عمره، يعود بعد وفاة والدته لتنفيذ وعد قطعه لها بصناعة فيلم يجمعهما.
ومن خلال هذه الرحلة، يطرح العمل سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل يمكن للسينما أن تعيد الموتى إلى الحياة؟
تتحول القصة تدريجيًا إلى رحلة داخل الذات، حيث لا يكتفي البطل بمحاولة توثيق ذكريات والدته، بل يسعى لإعادة خلق حضورها عبر الصورة، في تجربة تجمع بين الواقع والخيال، وبين الألم والأمل.
رحلة تمتد عبر سنوات من التحول
يمتد الفيلم عبر أكثر من عقد زمني، ليواكب التحولات التي مر بها نمر على المستويين الفني والإنساني.
فالمشاهد لا يتابع فقط تطور مخرج، بل يعيش تجربة إنسان يحاول التكيف مع فقدان عميق، ويبحث عن معنى جديد للحياة بعد رحيل أحد أهم أركانها.
ومن خلال أسلوب وثائقي شديد الخصوصية، يرصد العمل تطور أدواته السينمائية، وكيف أصبحت الكاميرا وسيلته لمقاومة النسيان، وإحياء ذكرى والدته داخل إطار فني نابض بالمشاعر.
ذاكرة عائلية معقدة وصدمات مؤجلة
لا يقتصر الفيلم على الحداد الشخصي، بل ينفتح على تاريخ عائلي معقد، تشارك فيه الأسرة بأكملها، وعلى رأسها والده، لتتكشف طبقات أعمق من الذكريات والهوية.
وخلال هذا المسار، يواجه نمر صدمات نفسية تعود إلى طفولته، تفاقمت بفعل تجربة المنفى والشعور بالانفصال، وهو ما يضيف بُعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا للأحداث، ويجعل الفيلم أقرب إلى رحلة علاجية عبر الفن.
السينما في مواجهة الفناء
يطرح الحياة بعد سهام رؤية فلسفية عن السينما بوصفها أداة لمقاومة الزمن والفناء، حيث تمنح صناعها وهمًا جميلًا بإمكانية استعادة من رحلوا، أو على الأقل الحفاظ على أثرهم الإنساني.
ويؤكد الفيلم أن الصورة ليست مجرد وسيلة للحفظ، بل لغة للتعبير عن الحب، ومحاولة لالتقاط لحظات هشة من الجمال قبل أن تختفي.
مواجهة الفقد الأخير
مع اقتراب احتمال فقدان والده أيضًا، يصل نمر إلى إدراك مؤلم بأنه أصبح الحلقة الأخيرة في إرث عائلته، وهو ما يدفعه لإعادة النظر في معنى الذاكرة والانتماء.
وهنا، يتحول الفيلم إلى تأمل عميق في العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الفن والحياة، ليقدم تجربة سينمائية شديدة الصدق والإنسانية.
مخرج يحمل سيرة سينمائية مميزة
يُعد نمر عبد المسيح من أبرز المخرجين الذين قدموا أعمالًا ذات طابع شخصي، حيث وُلد عام 1974، وعاش بين مصر وفرنسا، ودرس الإخراج السينمائي في واحدة من أهم المدارس السينمائية.
قدم عددًا من الأعمال التي تناولت علاقته بأسرته ووطنه، من بينها فيلم “أنت، وجيه” الذي استعرض علاقته بوالده، وفيلمه الطويل “أنا والأقباط والعذراء” الذي عُرض في مهرجانات عالمية كبرى مثل كان وبرلين، ما يعكس مكانته في الساحة السينمائية الدولية.
حضور منتظر في المهرجان
تأتي مشاركة “الحياة بعد سهام” في مهرجان إسطنبول السينمائي الدولي لتؤكد على قوة الفيلم وقدرته على المنافسة، خاصة مع موضوعه الإنساني العميق وأسلوبه البصري المميز.
ومن المتوقع أن يحظى العمل باهتمام نقدي وجماهيري، نظرًا لما يقدمه من تجربة مختلفة تلامس مشاعر الفقد والحنين، وتعيد طرح السؤال الأبدي: هل تستطيع السينما أن تهزم الموت.
