في اليوم العالمي لمنع التطرف.. أفلام جسدت قضايا الإرهاب في السينما
يسلط العالم يوم 12 فبراير من كل عام الضوء حول اليوم العالمي لمنع التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب، وتتجدد الدعوات إلى ترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر ومواجهة الأفكار المتشددة التي تهدد استقرار المجتمعات وأمنها، وعلى مدار عقود، لعبت السينما المصرية دورا محوريا في طرح قضايا الإرهاب والتطرف، مسلطة الضوء على جذور الظاهرة وأسبابها النفسية والاجتماعية، ومحاولة تفكيك خطاب العنف وكشف مخاطره على الفرد والمجتمع.
ومن خلال عدد من الأعمال البارزة، قدمت الشاشة الكبيرة رؤى مختلفة حول كيفية استدراج الشباب إلى التنظيمات المتطرفة، وكيف يمكن للفكر المستنير واحتواء المجتمع أن يشكلا سبيلا للنجاة.
السينما في مواجهة الفكر المتشدد
منذ تسعينات القرن الماضي، ومع تصاعد موجات العنف، إتجهت السينما المصرية إلى تناول الظاهرة بشكل مباشر، محاولة الاقتراب من الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض الشباب إلى الانخراط في جماعات متطرفة، لم تكن المعالجة مجرد رصد لعمليات إرهابية، بل سعت إلى تقديم صورة إنسانية للشخصية المتورطة، وطرح سؤال أساسي حول إمكانية التوبة وإعادة الدمج في المجتمع.
فيلم "الإرهابي" قراءة مبكرة لظاهرة التطرف
يعد فيلم “الإرهابي” الذي أنتج عام 1994 من أهم المحطات السينمائية التي ناقشت القضية بجرأة، الفيلم من بطولة الزعيم عادل إمام، وصلاح ذو الفقار، ومديحة يسري، ومن تأليف لينين الرملي، وإخراج نادر جلال، ويعد العمل الأخير للفنان الراحل صلاح ذو الفقار.
وقد جرى إنتاجه تحت حراسة مشددة من الشرطة نظرا لحساسية موضوعه في ذلك التوقيت.
تدور الأحداث حول علي عبد الظاهر الذي دفعته ظروفه الاجتماعية من فقر وإحباط إلى الانضمام لإحدى الجماعات المتطرفة، يشارك في تدمير ما يراه مظاهر للفساد ويشارك في عمليات تستهدف السائحين الأجانب.
صورت الجماعة بملامح قاتمة وزي موحد وطاعة عمياء لأمير يفرض سلطته دون نقاش، في إشارة واضحة إلى طبيعة التنظيمات المغلقة التي تلغي الفرد لحساب الفكرة.
صراع داخلي بين الفكر المتطرف وقيم المجتمع
تنقلب حياة علي بعد إصابته أثناء هروبه ولجوئه إلى منزل أسرة يقودها طبيب معروف هو الدكتور عبد المنعم، داخل هذا البيت يكتشف قيما مغايرة لما تربى عليه من تشدد وكراهية، ويبدأ صراع داخلي بين ما لقنته له الجماعة وما يراه من تسامح وتعايش.
يقدم الفيلم رسالة واضحة مفادها أن التطرف ليس قدرا حتميا، وأن احتواء المجتمع قد يكون مدخلا لإعادة تصحيح المسار.
ورغم الجدل الذي صاحب عرض الفيلم واتهام البعض له بأنه يسيء للدين، إلا أن القراءة المتعمقة تكشف أنه كان ينتقد توظيف الدين في العنف، ويؤكد إمكانية توبة الشاب المغرر به إذا وجد فرصة حقيقية للاندماج من جديد.
“جواب اعتقال” من الانتماء إلى المواجهة
في معالجة أخرى أكثر حدة، جاء فيلم “جواب اعتقال” بطولة الفنان محمد رمضان، ليقدم صورة لشاب ينضم إلى جماعة متطرفة معتقدا أنه يجاهد في سبيل الله.
تتصاعد الأحداث عندما يحاول شقيقه الانضمام إلى التنظيم، لينتهي الأمر بمقتله نتيجة خلاف داخلي، هنا يكتشف البطل زيف الشعارات التي انضم تحتها، ويسعى للانتقام من الجماعة في الوقت الذي يصدر فيه قرار اعتقال بحقه.
الفيلم يسلط الضوء على التناقضات داخل التنظيمات المتشددة، ويؤكد أن العنف يرتد على أصحابه، كما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين المواجهة الأمنية والمعالجة الفكرية، وضرورة تجفيف منابع التطرف قبل تفاقم نتائجه.
فيلم “الإرهاب” وخطورة الخداع باسم الدين
تناول فيلم “الإرهاب” للفنان الراحل فاروق الفيشاوي، القضية من زاوية تمزج بين الإثارة والطرح السياسي.
تدور الأحداث حول صحفية تتعاطف مع شاب يزعم براءته قبل أن تكتشف أنه يخطط لتفجير طائرة تقل وفدا رسميا، وتكشف القصة كيف تستغل بعض التنظيمات العاطفة والثقة لتحقيق أهدافها، وتبرز أهمية الوعي الفردي في كشف المخططات الإرهابية.
من خلال هذه الحبكة، يؤكد العمل أن التطرف لا يقوم فقط على العنف المباشر، بل يعتمد أيضا على الخداع والتلاعب بالمشاعر، وهو ما يتطلب يقظة مجتمعية دائمة.
في اليوم العالمي لمنع التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب، تبدو هذه الأفلام وغيرها جزءا من ذاكرة فنية وثقافية حاولت مواجهة الفكر المتشدد عبر الفن، فقد قدمت نماذج لشباب انساقوا وراء شعارات براقة قبل أن يكتشفوا حقيقتها، وطرحت فكرة أن المواجهة الحقيقية تبدأ من التعليم والوعي وفتح مساحات للحوار.
هكذا تؤكد السينما المصرية أن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتنوير وكشف مخاطر التطرف، ورسالة مستمرة بأن حماية المجتمع تبدأ بحماية العقول من الوقوع في براثن الفكر المتشدد.
