باليوم العالمي للإيدز.. كيف أعادت السينما العربية الوعي حول المرض؟

وشوشة

يوافق الأول من ديسمبر من كل عام اليوم العالمي لمرض الإيدز، وهو مناسبة دولية تهدف إلى رفع الوعي المجتمعي بخطورة فيروس نقص المناعة البشري (HIV)، والدعوة إلى الوقاية والدعم وعدم التمييز، وتسليط الضوء على معاناة المرضى في مواجهة الأحكام المسبقة والوصم الاجتماعي، ويأتي الاحتفاء بهذا اليوم ليذكر العالم بأن المرض لم ينتهِ بعد، وأن مريض الإيدز لا يزال يواجه تحديات نفسية واجتماعية وطبية تجعل رحلته أكثر قسوة من المرض ذاته.

وقد لعبت السينما العربية دورا مهما في طرح المرض إعلاميا وفنيا، وتقديم صور متعددة لمعاناة المرضى والخطر الحقيقي الكامن ليس فقط في الفيروس، بل في نظرة المجتمع القاسية، والمعلومات المغلوطة حول طرق انتقاله وأسبابه. ورغم قلة الأفلام التي تناولت هذا المرض بشكل مباشر، فإن الأعمال التي قُدمت تركت أثرًا واضحًا في ذاكرة الجمهور، ومن أبرزها: 

 "الحب والرعب"… رؤية مبكرة لصراع المريض مع المجتمع

 

يعد فيلم "الحب والرعب" أحد أوائل الأعمال العربية التي تطرقت لمرض الإيدز بشكل مباشر ومنظور اجتماعي ونفسي. تدور أحداثه حول الدكتورة هند، التي جسدتها الفنانة شريهان، العائدة من الولايات المتحدة بعد وفاة زوجها وإصابتها بالمرض منه.

يتناول الفيلم رحلة سقوط هند في دوامة من اليأس والضياع، ومحاولتها الهروب من واقعها من خلال السهر والشراب، قبل أن تتعرض للاغتصاب ثم تقع في فخ علاقة أخرى مع حبيبها القديم أحمد الفنان الراحل محمود الجندي  الذي يكتشف لاحقا إصابته بالمرض منها.

الفيلم قدم نموذجا دراميا مكثفا عن مخاطر الجهل والوصم والتعامل اللاإنساني مع المرضى، حيث تتحول هند إلى ضحية جديدة عقب تهديدها من عصابة تجبرها على القتل بعد اختطاف طفلتها، ورغم مبالغات الحدث الدرامي، إلا أن الفيلم طرح مبكرا فكرة أن المريض ليس دائماً الجاني، وأن الخطر الحقيقي يتمثل في التخلي المجتمعي عن المريض.


 


 

 "أسماء"… صرخة فنية لتغيير الصورة الذهنية عن المرض

 

يعد فيلم "أسماء" للمخرج والكاتب عمرو سلامة (إنتاج 2011) أهم وأعمق التجارب العربية التي تناولت الإيدز، وأكثرها واقعية وإنسانية.

تدور أحداث الفيلم حول فتاة تدعى "أسماء"، قامت بدورها الفنانة هند صبري، مصابة بفيروس الإيدز وتحتاج لعملية جراحية بسيطة لإنقاذ حياتها، إلا أن كل الأطباء يرفضون إجراء العملية خوفا من التعامل مع مريضة HIV، رغم أن العملية لا علاقة لها بانتقال المرض.

يركز الفيلم على المعاناة اليومية للمريض مع نظرة المجتمع، ومحاولات أسماء إخفاء المرض عن ابنتها، وصراعها بين الخوف والأمل، واشتهر العمل بجملة هند صبري المؤثرة:"أنا لو مت مش هموت بالمرض اللي عندي… هموت من المرض اللي عندكم."

هذه العبارة تحولت إلى شعار إنساني يواجه الجهل والوصم، ويوضح الهدف الحقيقي للفيلم: تغيير الصورة الذهنية المغلوطة عن المرض، والتأكيد على أن طرق انتقاله ليست دائمًا مرتبطة بالسلوكيات المحرمة، وأن المريض هو ضحية وليس مذنبا.

استوحى الفيلم قصته من حالة واقعية لفتاة مصرية توفيت نتيجة الإهمال الطبي وحرمانها من الرعاية الصحية، فيما اختار الفيلم نهاية تمنح الأمل، وتبرز قوة الإنسان على المواجهة.


 

"شاويش نص الليل"… معالجة تقليدية تربط المرض بالإدمان

 

في أوائل التسعينيات قدّم فيلم "شاويش نص الليل" (إنتاج 1991) بطولة فريد شوقي، آثار الحكيم، وخالد محمود، معالجة مختلفة ركزت على انتقال المرض عبر الحقن الملوثة والإدمان.

تدور الأحداث حول شاب صغير يفقد أحلامه بعدما يصاب بالإيدز بسبب حقنة غير معقمة، ويصل الأمر بوالده إلى اليأس لدرجة التفكير في التخلص من ابنه خوفًا من الفضيحة.

رغم أن الفيلم أبرز أحد أهم طرق العدوى الحقيقية، وهو تعاطي المخدرات بالحقن، فإنه عكس نظرة المجتمع آنذاك، حيث كان الخوف من المرض يصاحبه خوف أكبر من الوصمة الاجتماعية.


 

 "الحب في طابا"… نظرة تحذيرية 

 

في فيلم "الحب في طابا" (1992) بطولة ممدوح عبد العليم، وائل نور، جالا فهمي، وهاشم عبد الحميد، قُدِّم المرض في إطار درامي تحذيري، إذ يتورط ثلاثة شباب في علاقات عابرة مع سائحات في شرم الشيخ، ثم يكتشفون إصابتهن بالمرض فيقررون الهرب.

ورغم أن الفيلم نجح في لفت الانتباه لخطر العلاقات غير الآمنة، إلا أنه تعرض لانتقادات واسعة، لأن معالجته ركزت فقط على العلاقات الجنسية كمصدر للعدوى، وأغفلت الطرق الأخرى الشائعة مثل نقل الدم أو الأدوات الطبية الملوثة، مما عزز صورة ذهنية ناقصة وغير عادلة عن المرضى.


 

في ذكرى اليوم العالمي لمرض الإيدز، تجدد الدعوة إلى نظرة أكثر إنسانية وتفهما لواقع المرضى، والعمل على نشر الوعي الطبي الصحيح حول طرق العدوى والوقاية، مع التأكيد على أن السينما  رغم بعض الأخطاء  لعبت دورا مهما في طرح القضية وكسر حاجز الصمت.

وفي الوقت نفسه، تظهر الحاجة الملحة لأعمال جديدة تقدم المرض بمنظور علمي وإنساني، وتساعد في بناء مجتمع قادر على المواجهة والدعم، بدلا من محاكمة المريض أو تحميله ذنبا لا يستحقه.

تم نسخ الرابط