في ذكرى رحيلها.. كيف تجاوزت ليلى مراد أزمتها الكبرى وشائعات الخمسينيات؟

ليلى مراد
ليلى مراد

تحل اليوم الجمعة ذكرى رحيل الفنانة ليلى مراد، إحدى أهم الأصوات النسائية في تاريخ الموسيقى والسينما العربية، وبرغم مرور عقود طويلة على رحيلها، ما زالت أعمالها حاضرة بقوة في ذاكرة الجمهور، فصوتها العذب وأداؤها البسيط وملامحها الرقيقة ساهمت في ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز نجمات الفن المصري في العصر الذهبي.

ولدت ليلى مراد في 17 فبراير 1918 بالقاهرة لأسرة مصرية يهودية، وكان والدها زكي مراد من كبار المطربين والملحنين، وهو ما جعل دخولها إلى عالم الفن خطوة مبكرة وطبيعية، فبدأت الغناء في سن الرابعة عشرة قبل أن تصبح واحدة من أهم الأصوات الرومانسية في العالم العربي.

سر بقاء صوت ليلى مراد حاضرًا عبر الأجيال

ظل صوت ليلى مراد قادرًا على العبور من جيل إلى آخر بفضل مجموعة من العوامل التي منحت أغانيها قيمة فنية وإنسانية مختلفة، فقد امتلكت قدرة فريدة على التعبير عن المشاعر بصفاء وبساطة، وكانت تختار كلمات أغانيها وألحانها بعناية شديدة، متعاونة مع كبار الملحنين والشعراء في تلك الفترة.

وجعل الاهتمام بالتفاصيل أعمالها تتسم بعمق كبير وبجماليات موسيقية لا تزال قادرة على لمس المستمع حتى اليوم.

أحلام لم تتحقق رغم الشهرة الواسعة

ورغم النجومية الكبيرة التي حققتها في الغناء والسينما، كشفت ليلى مراد في مقال قديم بمجلة الكواكب عن أن أحلامها الأصلية لم تكن تتجه نحو الفن، فقد كتبت أنها كانت تتمنى أن تعمل مدرسة أو أن تعيش حياة زوجية هادئة مثل بقية النساء.

ولكن الظروف الصعبة التي مرت بها عائلتها دفعت والدها إلى دفعها نحو الفن بحثًا عن مصدر رزق، خاصة بعد تراجع دخله الفني.

وأوضحت أنها خاضت طريق الغناء اضطرارًا أكثر منه اختيارًا، لكنها استطاعت رغم ذلك أن تمنح الفن العربي واحدًا من أنقى الأصوات النسائية في تاريخه.

طفولة صعبة وصراع مبكر مع الفقر

لم تكن نشأة ليلى مراد سهلة، فقد عانت الأسرة من ضائقة مالية كبيرة بعد سفر والدها إلى الولايات المتحدة لفترة طويلة وانقطاع أخباره.

وهذا الغياب جعل الأسرة تنتقل إلى منزل أصغر وتواجه أوقاتًا عصيبة دفعت ليلى مراد إلى العمل مبكرًا.

والتحقت بمدرسة لتعليم التطريز ثم عملت في الخياطة بأجر بسيط لم يتجاوز عشرة قروش، محاولة مساندة أسرتها في تلك الظروف القاسية، وهو ما جعل شخصية ليلى قوية ومسؤولة منذ طفولتها.

البداية الحقيقية لمسيرتها الفنية

بدأت رحلة ليلى مراد الفنية في عمر الرابعة عشرة عندما تتلمذت على يد والدها وعلى يد داود حسني، أحد أهم الملحنين في تلك الفترة.

ومع الوقت بدأت تغني في الحفلات الخاصة، قبل أن تجتاز اختبارات الإذاعة المصرية عام 1934 وتصبح مطربة معتمدة في سن السادسة عشرة.

وبعد نجاحها الإذاعي، سجلت مجموعة من الاسطوانات بصوتها، ثم انتقلت إلى السينما عام 1938 حين شاركت محمد عبدالوهاب بطولة فيلم “يحيا الحب”، وهو الفيلم الذي جعل اسمها يبرز بقوة.

وفي عام 1939 قدمت فيلمها الثاني مع يوسف وهبي “في ليلة ممطرة”، ليتواصل بعدها صعودها السينمائي سريعًا.

أعمال خالدة وأدوار صنعت التاريخ

قدمت ليلى مراد عشرات الأغاني التي أصبحت علامات خالدة، منها “أنا قلبي دليلي” و”الحب جميل” و”القلب بيتنهد” وغيرها من الأغاني التي ارتبطت بذكريات عشاق الطرب العربي.

أما في السينما، فقد شاركت في 27 فيلمًا تعد من أبرز أفلام العصر الذهبي، بينها “ليلى بنت الفقراء” و”ليلى بنت الأغنياء” و”شهر العسل” و”غزل البنات” مع نجيب الريحاني.

كما شكلت مع الفنان أنور وجدي واحدًا من أنجح الثنائيات السينمائية في تلك الحقبة، وقدما معًا مجموعة من الأعمال التي رسخت حضورهما المشترك في ذاكرة الجمهور.

إسلام ليلى مراد وأزماتها في الأربعينيات والخمسينيات

أشهرت ليلى مراد إسلامها في عام 1947، وهي خطوة أثارت جدلًا واسعًا في ذلك الوقت، لكنها أكدت أنها اتخذت القرار عن اقتناع كامل.

وبعد سنوات من الاستقرار الفني، تعرضت في أوائل الخمسينيات لشائعات اتهمتها زورًا بالتبرع لإسرائيل، وهي اتهامات أثبتت التحقيقات الرسمية عدم صحتها بالكامل.

ورغم تبرئتها، تركت الأزمة أثرًا نفسيًا كبيرًا دفعها للابتعاد عن الوسط الفني تدريجيًا حتى أعلنت اعتزالها عام 1955 وهي في قمة شهرتها.

اعتزال هادئ

بعد اعتزالها، اختارت ليلى مراد حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، وابتعدت عن الظهور الإعلامي حتى رحيلها في 21 نوفمبر 1995.

وبرغم غيابها الطويل، بقي صوتها وأفلامها حاضرة في ذاكرة الفن العربي كواحدة من أهم العلامات الإنسانية والفنية التي لا تتكرر بسهولة.

تم نسخ الرابط